الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020

الركود السياسي في الجزائر مصدر الأضطرابات

بقلم ليندا س. هيرد

© Shutterstock

تتميز الجزائر بجمالها الطبيعي و تنوع جغرافيتها و مواردها الطبيعية و لذلك تتفوق بطاقتها و امكانياتها على معظم الدول في المنطقة. بيد الركود السياسي يتسبب بتعطيل نموها و تطورها ما يثير استياء متزايدا لدى شرائح واسعة من السكان الذين يرفعون الصوت ضد البطالة و ارتفاع اسعار المساكن و القمع السياسي و همجية الشرطة. و تزيد الأنقسامات المذهبية و المتمردون الأسلاميون و التهديدات الحدودية من وطأ المشاكل التي يتخبط فيها هذا البلد الشمال افريقي تقرير لليندا س. هيرد

نجح الرئيس الجزائري المنتهية ولايته، عبد العزيز بوتفليقة، الذي تقدّم في السن وبات مقعداً على كرسي متحرك، في الفوز مؤخراً بولاية رابعة على الرغم من المعارضة المتنامية له. شارك أقل من 23 مليون جزائري في عملية الاقتراع، ويُشكّك كثرٌ في النتائج التي أسفرت عن فوزه بأكبر من 80 في المئة من الأصوات، في بلد يعاني من نقص الشفافية. هتف الجزائريون من قبل لبوتفليقة تقديراً للجهود التي بذلها من أجل وضع حد لحرب أهلية استمرت 11 عاماً بين أنصار الحكومة والمتشدّدين الإسلاميين، والتي سقط فيها أكثر من 150 ألف ضحية، لكن معارضيه يرون فيه اليوم دينوصوراً سياسياً ضعيفاً يعتمد على دوائره الفاسدة. فخلال العام الماضي، خضع للعلاج الطبي في الخارج لأشهر طويلة بعد تعرّضه لجلطة دماغية، ولم يظهر كثيراً في العلن. علاوة على ذلك، تلقّى النظام ضربات قوية جراء سلسلة من فضائح الفساد التي تورّط فيها أشخاص مقرّبون من الرئيس. ويعتبر الشباب على وجه الخصوص أنه غير مناسب لتمثيل مصالحهم، وقد اختاروا مقاطعة الانتخابات في غالبيتهم الساحقة. لا تزال الجزائر حتى الآن بمنأى إلى حد كبير عن انتفاضات "الربيع العربي" التي أطاحت الرؤساء في تونس ومصر وليبيا واليمن، وذلك لأن ذكريات الحرب الأهلية

الدموية لا تزال محفورة في أذهان الجزائريين الذين فقدوا رغبتهم في الثورة. ونُقِل عن رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سال قوله بأن الربيع العربي "حركه سنبيدها". لكن هذا كان قبل ظهور حركة "بركات" (كفى)في الأول من مارس الماضي، والتي ترفع لواء الديمقراطية وتسعى إلى تحدّي الوضع القائم. تشتكي الدكتورة أمرة بوراوي، التي هي من مؤسّسي حركة "بركات" وقد اعتقِلت خمس مرات حتى تاريخه، من أن "جبهة التحرير الوطني" الحاكمة حاولت احتكار التاريخ، في حين أن "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" حاولت احتكار الدين. وتعلّق في هذا الإطار: "التاريخ ملكٌ للجميع، ولا يمكن أن يكون حكراً على حزب سياسي واحد. ما نريده اليوم هو ديمقراطية تحمينا من خطر كل هذه التجاوزات". تقول عن بوتفليقة إنه ديكتاتور في ثوب نعجة، وإنه يعلن من جهة أنه يجب تمرير الشعلة إلى الجيل المقبل، فيما يعمل من جهة ثانية على تعزيز سلطته، وتتّهمه بلعب ورقة عدم الاستقرار. وتعلّق في هذا الإطار: "لكننا نجد أن هذا الاستقرار عن طريق الابتزاز، الذي يقدّمه النظام الآن عبر الطلب منا أن نصمت وإلا نعرّض الجزائر لخطر عدم الاستقرار، غير مقبول. لن نلعب هذه اللعبة"، مضيفةً "الولاية الرابعة تعني بكل بساطة أن نظامنا بات بائدا  قد تكون حركة "بركات" حديثة العهد، لكن شعبيتها تسجّل ازدياداً كبيراً. ومن الممكن أن يتم إسكاتها ما إن يبلغ عدد أتباعها مستوى معيّناً. الاحتمال الآخر - مع العلم بأنه أكثر ترجيحاً إلى حد كبير - هو أن جاذبيتها قد تتراجع نظراً إلى أن الربيع العربي أنتج سلطوية أكبر في بعض البلدان، وزاد من حدّة الانقسامات في بلدان أخرى؛ وحوّل بلداً واحداً عى الأقل، ليبيا، إلى "غرب متوحّش"، إنما هذه المرة في قلب العالم العربي. فالمناخ الذي كان سائداً عام 2011 عندما نزل الملايين إلى الشارع رافعين شعار "خبز، ديمقراطية، وحرية"، اختلف كثيراً الآن، لا سيما في مصر وليبيا حيث بات الناس العاديون يعطون الأولوية للأمن قبل الحريات الشخصية، وخير دليل على ذلك فوز وزير الدفاع السابق المشير عبد الفتاح السيسي برئاسة جمهورية مصر العربية، والدعم الشعبي الذي يتمتّع به اللواء المتقاعد خليفة حفر في أوساط الليبين الذين يتطلّعون إلى التخلص من الميليشيات والجهادين الأجانب. يحاول الرئيس الجزائري، إدراكاً منه للاستياء المتعاظم في أوساط الرأي العام، تهدئة المعارضة من خال مجموعة من الإصلاحات السياسية التي تشمل إعادة توزيع السلطات بين الرئيس ورئيس الوزراء، وتعزيز صلاحيات مجلس النواب، وفي خطوة تنطوي على مفارقة نوعاً ما،  تقييد عدد الولايات الرئاسية بواحدة فقط قابلة للتجديد مرة واحدة، مع العلم بأن بوتفليقة كان قد أبطل هذا البند الدستوري من قبل ليتمكّن من الترشّح من جديد. تنصّ مسودّة الدستور الجديدة على ضمان حرية العبادة، والحريات الإعلامية، وحرية تنظيم تجمّعات سلمية، وعدالة المحاكمات. وتركّز خطة خماسية أعلنها رئيس الوزراء على الأمن والاقتصاد. يحافظ الاقتصاد الذي يعتمد إلى حد كبير على النفط والغاز، على وضع سليم، إذا يُتوقَّع أن يبلغ النمو 4.5 في . المئة عام 2014 يسعى بوتفليقة حالياً إلى مدّ يده إلى أحزاب المعارضة عبر الطلب منها الانضام إليه في مناقشة التغيرات المقترحة، بيد أن معظم قادة الأحزاب رفضوا عرضه لأنهم ادعو أنه من شأن مشاركتهم في النقاش أن تمنح الرئيس مزيداً من الشرعية. يحتاج بوتفليقة إلى كل الدعم الذي يمكنه الحصول عليه في هذه اللحظة بالذات التي يُطلّ فيها العنف المذهبي بين العرب والبربر برأسه القبيح من جديد، وتتعرّض حدود البلاد للتهديد، وتحارب الجزائر المجموعات الإرهابية. لقد وقع الساحة القادم من ليبيا في أيدي التنظيات الجهادية التي تمارس نشاطها في منطقة الساحل. وكذلك ينشط تنظيم "القاعدة" على مقربة من الحدود الجزائرية في مالي، وفي الخامس من مايو، هاجم "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" جنوداً جزائرين في منطقة القبائل. تعهّد بوتفليقة بالقضاء عى هؤلاء العناصر ب"قبضة من حديد"، ولهذه الغاية، يُرجَّح قيام محور أمني جديد بين الجزائر والقاهرة، بمشاركة محتملة من اللواء حفير. لكن السلطات الجزائرية والمصرية تردّدة في إعلان موقفها من حفير الذي تصفه بعض الوسائل الإعلامية بأنه "لواء مارق"، على الرغم من أنه يحظى على ما يبدو بالدعم من الجزء الأكبر من الجيش الليبي وسلاح الجو. في حال نجحت جهوده بإرساء الاستقرار، سوف يلقى ترحيباً في أوساط الرؤساء عندما يترشّح للرئاسة، ومن المؤكّد أنه سيفعل. على جبهة السياسة الخارجية، تغرّد الجزائر خارج سرب اللاعبن الأساسيين في العالم العربي، ولا سيما دول الخليج. تربطها علاقة وثيقة بطهران تزداد رسوخاً ومتانة. فكلتاهما تدعمان نظام الأسد في سوريا وتعارضان التدخّل الخارجي في الحرب الأهلية. يصف كاهيت توز، مستشار البرلمان التركي، الجزائر بأنها "بوابة إيران لتنفيذ سياساتها الشيعية في منطقة شمال

أفريقيا". تدعم الجزائر أيضاً البرنامج النووي الإيراني، وتشارك إيران نفورها من "القوى الأمبريالية". لكن على الرغم من أن أنقرة تعمل من أجل إسقاط الأسد، إلا أنها اختارت تعزيز روابطها مع الجزائر، لا سيما بسبب التبادل التجاري بن البلدَين الذي تصل قيمته سنويا إلى مليارات الدولارات. أما عى صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة فيمكن وضعها في خانة "عدو عدوي هو صديقي". لقد تعاونت أجهزة الاستخبارات العسكرية الجزائرية عن كثب مع واشنطن في جهودها لمكافحة الإرهاب، على الرغم من غياب الثقة المتبادلة بن البلدَين. من المتعارف عليه أنه كي تتمكّن الجزائر من الازدهار وتتحوّل إلى دولة منفتحة وديناميكية تواكب القرن الحادي والعشرين، عليها أن تتخلىّ عن ذهنيتها الاشتراكية من أجل بناء اقتصاد يقوم على السوق الحرّة، وأن تعمل على مكافحة الفساد، وتحدّ من البيروقراطية التي تعطّل الاستثمارات الخارجية. فضلا عن ذلك، يجب اعتماد سياسة لتوزيع الرواتب بما يعود بالفائدة على الفقراء والأقل حظوة، من أجل تنفيس الاحتقان الشعبي المتعاظم. إنه لأمر مثير للصدمة أن إجمالي الناتج المحلي للفرد في الجزائر لا يتعدّى 7500 دولار أمريكي (تقديرات 2013 )، مع العلم بأن إجمالي الناتج المحلي السنوي يصل إلى 215.7 مليار دولار. لكن كي تتبدّل الأوضاع، يجب أن يتحلىّ الرجل الذي يتعامل ب"قبضة من حديد" مع أعداء الدولة، بالحكمة للتخفيف من قبضته هذه على جيل يتطلّع بفارغ الصبر إلى التغير.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم