الخميس، 22 أكتوبر 2020

هل يتنحّى الدولار ليفسح المجال أمام اليوان؟

بقلم ليندا س. هيرد

© Shutterstock

ليس مفاجئاً أن الدولار نجح في الحفاظ على مكانته باعتباره العملة الاحتياطية الأساسية في العالم، في الوقت الذي تملك فيه #الولايات_المتحدة الاقتصاد الأكبر بدعم من الجيش القوي. لكن في مرحلة معيّنة بعد الركود العالمي عام 2008، كان من المتوقّع أن يضعف الدولار إلى حد كبير - لا سيما وأن المصارف والمؤسسات المالية الأمريكية كانت خلف اشتعال الأزمات - إلا أن ما حدث كان العكس تماماً، لأن الدولار اعتُبِر ملاذاً آمناً في غياب بديل حيوي.

يعكس هذا الأمر اعتماد المصارف المركزية ليس على الدولار وحسب إنما أيضاً على السندات الأمريكية كضمانة ضد الزلازل الاقتصادية في المستقبل. فقد كتب جون أوثرز في صحيفة "#فايننشال_تايمز": "الشيء الذي لا يقتل الدولار يجعله أقوى". وشرح أن "قيمة الدولار ارتفعت نحو 27 في المئة خلال عام 2008 ومطلع 2009، عندما هزّ انهيار ليمان بروذرز العالم".

إذاً ليس هناك ما يؤشّر إلى أنه علينا أن نعلن منذ الآن انتهاء هيمنة الدولار. إلا أنه ثمة منافس يلوح في الأفق. فقد وجد استطلاع أجرته مؤخرا "وحدة الاستخبارات الاقتصادية" في مجلة "#الإيكونوميست" وشمل 200 مستثمر مؤسّسي، أن 53 في المئة من المجيبين يعتبرون أن اليوان الصيني سيحل في نهاية المطاف مكان الدولار كعملة احتياطية أجنبية أساسية.

لا بد من الإشارة إلى أنه في أواخر العام الماضي، انتزع اليوان المرتبة الثانية من اليورو لناحية استخدامه في التجارة العالمية، لكن عليه أن يقطع شوطاً طويلاً قبل أن يُدرَج في خانة العملات الاحتياطية. في العام الماضي، كان أكثر من 61 في المئة من احتياطي العملات في العالم بالدولار، ويتبعه اليورو (25 في المئة)، والجنيه الاسترليني، والين الياباني، والفرنك السويسري، والدولار الكندي، ما يوحي في الظاهر بأنه ليس هناك من مكان لصعود اليوان الصيني.

بيد أن بعض الأوساط تطالب بعملة احتياطية دولية جديدة. وفي هذا الإطار، يدعو تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية عام 2010، إلى اعتماد منظومة جديدة لاحتياطي العملات من أجل تحقيق الاستقرار في المنظومة المالية العالمية. وتقود بيجينغ وموسكو اللتان تدهورت علاقاتهما مع #الولايات_المتحدة مؤخراً، الحملة الهادفة إلى التخلّي عن الدولار. في مايو الماضي، وقّعت VTB، وهي المؤسسة المالية الثانية في روسيا، اتفاق تعاون مع المصرف المركزي الصيني بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ لتسديد الدفعات بالعملة الوطنية لكل منهما. الخطوة في ذاتها هي بمثابة وخزة سياسية أكثر منه ضربة مطرقة قوية، لكنها تشير إلى الاتجاه الذي تهبّ فيه الريح.

الواضح هو أن المصرف المركزي الصيني يمضي قدماً في تنفيذ خطط تهدف إلى تعزيز مكانة اليوان. فهو يسعى إلى إطلاق عقود آجلة باليوان في قطاعَي الذهب والنفط، مع التطلّع إلى قيام منظومة دولية لتسديد الدفعات بالعملة الصينية. وقد وقّعت الصين عام 2013 عقوداً ثنائية لمقايضة العملات تفوق قيمتها 2.5 تريليون يوان، مع 23 مصرفاً مركزياً أجنبياً، وهذا العام وقّع المصرف المركزي الصيني مذكّرة تفاهم مع المصرف المركزي الألماني لتسهيل تسديد الدفعات باليوان - وفي مارس الماضي، جرى توقيع اتفاق مماثل مع بنك إنجلترا. تلغي عقود المقايضة الحاجة إلى تحويل اليوان إلى عملة أخرى غالباً ما تكون الدولار الأمريكي.

لا شك في أن الصين تسعى إلى إنزال الدولار عن عرشه على المدى الطويل، ولهذه الغاية، تعمل على تكوين احتياطيات كبيرة من الذهب فيما تتذمّر من المستوى المرتفع للديون الأمريكية مع الإيحاء بأنه في حال تخلّفت #الولايات_المتحدة عن تسديد ديونها، سوف تتوقّف الصين التي تملك نحو 1.3 تريليون دولار من تلك الديون، عن شراء سندات الخزينة الأمريكية. في حال عمدت بيجينغ فعلاً إلى خفض تعاملاتها بالدولار، واعتمدت احتياطي الذهب ما يجعل اليوان مصدراً متيناً للاستثمار، وقامت بتعويم عملتها، ستواجه واشنطن متاعب حقيقية. لكن في الوقت الحالي، هدف بيجينغ الأساسي هو الحفاظ على التنافسية في التجارة العالمية، ما يقتضي الإبقاء على الانخفاض في قيمة اليوان.

قبل بضع سنوات، أعلن رئيس الوزراء الصيني أنه يخشى أن تثير الأصول الصينية سجالاً داخل الصين حول الحكمة من الاستمرار في شراء سندات الخزينة الأمريكية. بعبارة أخرى، تحمل الصين سيفاً مصلتاً فوق رأس الإدارة الأمريكية. فهي حالياً المستثمرة الأولى في سندات الخزينة الأمريكية إذ تملك 7.4 في المئة من مجموع الديون الأمريكية.

في الوقت الحالي، يتمسّك اللاعبون الأساسيون في العالم العربي بالعملة التي جرّبوها واختبروها جيداً. يعتبر محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي أنه يجب أن تكون العملة الصينية جزءاً من التنويع، "لكنها لا تزال بعيدة تماماً عن أن تكون عملة احتياطية في هذه المرحلة".

أما الاقتصادات الناشئة، لا سيما الكتلة المعروفة بـ"بريكس"، أي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، فتتطلع إلى اليوم الذي ستتراجع فيه هيمنة الدولار؛ وتعمل على تطوير أسواقها الخاصة للسندات والأسهم، كما أنها تعمل على إنشاء مصرف مشترك للتنمية.

يمكن أن تشكّل العوامل الجيوسياسية عنصراً أساسياً في تراجع الدولار عاجلاً وليس آجلاً. فقد أورد التلفزيون الروسي (RT) مثلاً أنه في حال نفّذت #الولايات_المتحدة وحلفاؤها في الاتحاد الأوروبي تهديداتهم بفرض عقوبات على قطاعَي الغاز والنفط الروسيين رداً على الممارسات الروسية في أوكرانيا، قد تجد موسكو نفسها مضطرة إلى التخلّي عن الدولار والدفع نحو "منظومة نقدية بديلة للتجارة العالمية لا تعتمد على الدولار الورقي".

يحذّر التقرير من أنه "في حال اعتماد هذه المنظومة البديلة، فإن قيمة الدولار الورقي ودوره باعتباره العملة الاحتياطية الأساسية في العالم، سيتراجعان بسرعة أكبر، ما يؤدّي إلى تضخّم شديد وممارسة مزيد من الضغوط على الاقتصاد الأمريكي". بالفعل، أوردت صحيفة "#فايننشال_تايمز" مؤخراً أن شركات روسية كبرى تستعدّ لتغيير عقودها وتحويلها نحو اليوان الصيني أو دولار هونغ كونغ، وفتح حسابات في بلدان آسيوية متعدّدة.

ربما يختلف خبراء الاقتصاد حول قدرة اليوان على تهميش الدولار الأمريكي، لكنهم يتّفقون جميعاً على أنه يتم تسويق اليوان كبديل حيوي عن الدولار، وعلى أنه يحقّق تقدّما ملحوظاً. عام 2012، بدأت الصين واليابان التداول مباشرةً بالعملة الوطنية لكل منهما، وتبعتهما نيوزيلند في مارس الماضي - وفي أبريل، أعلن المصرف المركزي الأسترالي أنه سيستثمر خمسة في المئة من احتياطياته من العملات الأجنبية في سندات الخزينة الصينية. مما لا شك فيه أنه لم يعد بإمكان الدولار أن ينام على أمجاده السابقة. فاليوان يلحق به نظرياً، وربما أيضاً فعلياً، فيما تعمل المصارف والمؤسسات المالية الكندية على إنشاء مركز للتداول بواسطة اليوان الصيني في تورونتو!

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم