السبت، 05 ديسمبر 2020

يجب-إحياء القومية العربية

بقلم ليندا س. هيرد

Illustrations by Guillermo Munro Colosio

 إذا استمرّ العالم العربي في التفكّك، سوف تغرق أصوات الدول العربية حكماً في بحر اللاعبين الكبار (القوى الكبرى) على الساحة العالمية، كما أنها ستصب عن غير قصد في مصلحة العدو، كما تقول الكاتبة.

من وجهة نظر جيوسياسية، الاتّحاد بين الدول أمر جيّد فعلاً. لقد أدركت دول عدّة هذا الواقع وبنت تحالفات عسكرية أو اقتصادية متينة.

هكذا وُلد الاتحاد الأوروبي، واتحاد دول أمريكا الجنوبية، والاتحاد الأفريقي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. وغني عن القول أن البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا التي غالباً ما يتبجّح قادتها بأنهم يتقاسمون “قيماً مشتركة”، تدعم بعضها بعضاً عادةً، إلى جانب الدعم المتبادل مع إسرائيل.

تساهم هذه التحالفات في تعزيز الاقتصادات المتعثِّرة، وتتيح للبلدان الصغيرة أن تمارس ثقلاً أكبر من حجمها الحقيقي، وتساعد على تسوية الخلافات بين الدول الأعضاء قبل أن تتفاقم وتتحوّل إلى نزاعات.

قد تعمد الولايات المتحدة ذات يوم إلى تحويل اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا (نافتا) إلى تحالف لأمريكا الشمالية يربطها بكندا والمكسيك، ويجري الإعداد لهذا المشروع منذ سنوات عدّة، لكنه يلقى معارضة شديدة من اليمين الأمريكي الذي يعترض على فتح الحدود، ناهيك عن العملة الموحّدة “أميرو” Amero.

في الوقت الذي تتّحد فيه دول كثيرة كما الجزيئات التي تشكّل كتلة واحدة وذلك لأسباب تتعلّق بالاستقرار والأمن، وتنجح في وضع خلافاتها جانباً ، يبدو عصياً على الفهم كيف أن الدول العربية تتباعد بدلاً من أن تسعى إلى التقارب أكثر فأكثر، لا سيما وأنها تقع في منطقة تتعاظم فيها المخاطر بوجود إسرائيل وإيران اللتين يصعب كبح جماحهما.

قد تسألون، وماذا عن الجامعة العربية؟ واقع الحال هو أنها كانت حتى وقت قريب مجرّد هيئة للنقاش. ولم تصبح أكثر فاعلية ونشاطاً إلا بتحفيز من السعودية وقطر، وقد أدّت دوراً أساسياً في فرض منطقة لحظر الطيران فوق ليبيا. لكن نادراً ما يتّفق أعضاؤها الاثنان والعشرون؛ ولا شك في أن هناك خلافات كبيرة حول كيفية التعامل مع الوضع في سوريا حيث سقط ما يزيد عن 8000 مدني على يد النظام. لا تملك الجامعة العربية جيشاً، ولا تحمل بياناتها ثقلاً يُذكَر إلا إذا التقت مع أهداف القوى الكبرى.

لا تستطيع الشعوب الأخرى أن تفهم لماذا يعجز العرب عن التوحّد على الرغم من المنافع الواضحة لهذا الأمر. ألم يتعلّموا شيئاً من التاريخ، بدءاً من سياسة “فرّق تسد” التي اعتمدتها بريطانيا وفرنسا والتي أدّت إلى تقسيم الشرق الأوسط وصولاً إلى سعي المحافظين الجدد إلى تفكيك العراق إلى ثلاث دول؟

يُظهر بحث كتبه أوديد يينون، وهو صحافي إسرائيلي ومستشار رفيع المستوى في وزارة الخارجية الإسرائيلية، في العام 1982 أن إسرائيل تريد أن يتم تقسيم مصر إلى دولة سنّية وأخرى قبطية مسيحية مع فرض سيطرتها من جديد على شبه جزيرة سيناء الغنية بالنفط والغاز. فقد كتب “تفكيك سوريا والعراق لاحقاً على أساس عرقي أو ديني كما هو الحال في لبنان، هو هدف إسرائيل الأول” مضيفاً أن تفكيك العراق أهم من تفكيك سوريا بالنسبة إلى إسرائيل: “شبه الجزيرة العربية بكاملها هي بطبيعة الحال عرضة للتفكّك بسبب الضغوط الداخلية والخارجية.

يجب توجيه السياسة الإسرائيلية، في الحرب والسلم على السواء، نحو التخلّص من الأردن في ظل النظام الراهن، ونقل السلطة إلى الأكثرية الفلسطينية”. ربما لا يزال هذا التفكيك للأراضي مطروحاً على الطاولة، كما شهدنا في السودان حيث فُصِل جنوب البلاد الغني بالنفط وتحوّل دولة مسيحية في شكل أساسي.

فضلاً عن ذلك، تواجه دول الخليج العربي الخطر من دولة إيران الإسلامية التي تهدّد بقضم أراضيها أو تحرّض السكّان الشيعة على التمرّد ضد الحكومات.

ولذلك نظراً إلى التهديدات من الدول المجاورة ومن القوى التي تسعى للاستيلاء على النفط والغاز والممرات المائية الاستراتيجية في المنطقة، من الحكمة أن تعمد الدول العربية إلى إنشاء اتّحاد دبلوماسي وعسكري واقتصادي قوي. فلو كان هذا الاتحاد قائماً عام 2003، لحال على الأرجح دون دمار العراق، وربما كان الفلسطينيون مستقرّين الآن في دولتهم الخاصة.
في الوقت الذي تبدي فيه أوروبا استعداداً لتجاوز ندوب الحربين العالميتين والسماح لألمانيا بالاضطلاع بالدور القيادي في الاتحاد الأوروبي، يجب أن يكون تشكيل اتحاد عربي حقيقي مهمّة سهلة. فالعرب يتشاطرون أدياناً مشتركة، ولغة مشتركة، وكذلك ثفافات وعادات وتقاليد اجتماعية متشابهة.

إذا تمكّن 325 مليون عربي من التوصّل إلى إجماع ولو بسيط حول المسائل المهمّة لهم، فسوف ينجحون في صدّ الحسّاد والأعداء، وتحسين المستويات التعليمية، وتوليد ما يكفي من الاستقرار للاستثمار في البلدان العربية المختلفة وكذلك استحداث وظائف والعمل كي لا يُضطر أي طفل عربي إلى التسوّل في الشوارع.

كانت القومية العربية حلم الرئيس المصري الأسبق جمال عبد النصر الذي أنشأ وحدة مع سوريا في العام 1958 أسفرت عن قيام الجمهورية العربية المتحدة. لم تنجح هذه الوحدة، والسبب الأساسي هو أنها لم تكن شراكة بين أنداد، وشعر السوريون في نهاية المطاف بالاستياء لأنهم كانوا يتلقّون الأوامر من القاهرة.

لكن على الرغم من إخفاقاته، دافع عبد الناصر بقوّة عن القضايا العربية، وكان معبود الجماهير في مختلف أنحاء العالم العربي نظراً إلى خطاباته الملهِمة التي كانت تجعل المستمعين إليه يعتزّون بانتمائهم العربي.

للأسف، لم يعد العرب يشعرون اليوم بالعزّة والفخر كما في السابق، فعدد كبير من الشبان العرب يطمحون إلى أن يصبحوا مستنسخين غربيين، وينسون ثقافة الاحترام والضيافة والكرَم المرتكِزة على العائلة التي لطالما تميّزت بها مجتمعاتهم.

قبل بضعة أيام، وجدت بالصدفة على موقع “يوتيوب” الإكتروني أغنية (وطني حبيبي ) بصوت عبد الحليم حافظ (المطرب المصري) ونجاة الصغيرة (المطربة المصرية) وصباح (مطربة لبنانية) ووردة الجزائرية، وهي تتغنّى بالأمة العربية. ليست هناك أغانٍ مماثلة الآن.

لا وجود اليوم للشعور الوطني والسعي إلى القومية العربية اللذين سادا في حقبة عبد الناصر، فقد حلّت مكانهما العلمانية والقبلية والمعركة الأيديولوجية بين العلمانيين والمتديّنين. يتعرّض مفهوم القومية العربية للسخرية ويوصَف بأنه بالٍ أو مثالي جداً أو غير قابل للتطبيق.

في الحقيقة، فيما تشهد المنطقة مرحلة من التقلّبات التي تترافق مع الربيع العربي، جمعُ العرب معاً أشبه بتسلّق جبل شاهق، لكن الوصول إلى القمة يستحق العناء بعد انقشاع الغبار. ألم يحن الوقت كي يتجاوز العرب خلافاتهم ويتذكّروا أن العدد هو مصدر قوّة، ويضعوا إستراتيجية مناسبة لبناء مستقبل سلمي ومزدهر؟

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم