السبت، 04 يوليو 2020

الإمارات العربية المتحدة: نبذة تاريخية، الجزء الرابع - إدارة مجتمع قبلي

بقلم إيرين ماك كافرتي

Illustrations by Guillermo Munro Colosio

كانت أراضي منطقة الخليج تمتدّ على مساحات شاسعة. لهذا السبب فضلاً عن وسائل النقل المحدودة، استخدم الشيوخ نظام الوالي في الحكم.

في المقالات السابقة، تطرّقنا إلى أن المجتمع الإماراتي كان قبلياً في الجزء الأكبر منه، وكان شيوخ نافذون يحكمون القبائل المتعدّدة التي كانت تنتشر عادةً عبر مساحات شاسعة من الأراضي.

ولم يكن هذا بالإنجاز العادي نظراً إلى أن وسائل النقل الحديثة - السيارات والمراكب الآلية - لم تدخل إلى الخليج سوى في ستينيات القرن العشرين مع قدوم شركات النفط. وقبل ذلك، كانت وسائل النقل تقتصر على الجمال والمراكب الشراعية التقليدية، وكان التواصل بطيئاً جداً.

لهذا السبب، كان الشيوخ ينتخبون ممثّلاً دائماً أو “والياً” للإشراف على أراضيهم. كان الوالي مسؤولاً أمام الشيخ، وكان يُختار عادةً من بين أحد أفراد عائلته المقربين، أي بين أشقّاء الشيخ وأبنائه لضمان ولائه له.

فعلى سبيل المثال، كانت قبيلة القاسمي تحكم مساحة كبيرة من الأراضي كانت تشمل في مطلع القرن التاسع عشر المنطقة الواقعة شمال الشارقة على الساحل الغربي وخور كلباء على الساحل الشرقي، إنما من دون المنطقة الواقعة شمال شعم ودبا والتي كان يتعذّر الوصول إليها. كان حوالي 45500 شخص يعيشون هناك في ذلك الوقت. وقد فوّض شيخ قبيلة القاسمي، سلطان بن صقر، حكم المنطقة إلى أشقّائه ولاحقاً أبنائه.

شغل أخوه غير الشقيق، سالي بن صقر، منصب الوالي حتى العام 1838. كان يُعتبَر قائداً مستنيراًً، وكان يحظى بشعبية لدى البريطانيين الذين كانوا يحتلّون المنطقة الساحلية.

لكنه استُبدِل لاحقاً بصقر، أحد أبناء سلطان بن صقر الذي حاول أن يجعل من نفسه حاكماً مستقلاً على الشارقة عبر خفض الضريبة على صيد اللآلئ، مما أدّى بالتالي إلى تعزيز شعبيّته. لكن والده تدخّل ولم يوافق على تسليم الحكم إلى ابنه إلا في مقابل نسبة مئوية من إيرادات الشارقة؛ وظل صقر حاكماً شبه مستقل للشارقة حتى وفاته في العام 1846.

عندها عادت الشارقة إلى حكم سلطان بن صقر الذي عيّن خلال حياته (توفّي بسن الخامسة والثمانين في العام 1866)، مجموعة من أبنائه لحكم هذه المنطقة.

وقد استطاع أحد أبنائه، الشيخ سلطان خالد، أن يحكم الشارقة بنجاح، كما أنه تمكّن في غضون عامَين من توحيد الإمارة مع رأس الخيمة التي كانت من قبل جزءاً من الأمبراطورية القاسمية. لكن بعد وفاته في العام 1866، انفصلت الإمارتان من جديد.

تجدر الإشارة إلى أن توحّد الإمارات المتعدّدة ثم انفصالها لاحقاً كان أمراً شائعاً خلال القرنَين الأخيرين في منطقة الخليج.

كانت رأس الخيمة أصغر بكثير من المنطقة الخاضعة لحكم القاسميين. لكنها كانت تُعتبَر مهمّة نظراً إلى مينائها الطبيعي. كانت تضم حوالي ألف أسرة في مطلع القرن العشرين، وكان معظمهم يكسبون رزقهم من صيد اللآلئ أو الزراعة.

في عهد سليم بن سلطان، عُيِّن واليٍ لجمع الضرائب والرسوم الجمركية، وتنظيم الدفاع عن البلدة، وتولّي إدارة الشؤون اليومية في شكل عام. هذه كانت المهام النموذجية لمنصبه.لكن مهمّته الأساسية كانت الإشراف على النزاعات بين الأفراد وإحقاق العدالة بالتشاور مع قاضٍ أو مطوع. وكانت محكمة الغوص المعروفة بـ”سالفة الغوص” مسؤولة عن تسوية النزاعات التي تنشأ عن الاستعدادات لموسم الغوص السنوي، والديون والمطالبات التي غالباً ما كانت تعقبه.

في أوقات مختلفة خلال القرن الماضي، كان حاكم رأس الخيمة إما تابعاً لحاكم الشارقة وإما تابعاً بحكم الأمر الواقع، وأحياناً كان مستقلاً بالكامل. وفي الحالات التي كان فيها الوالي تابعاً، كانت تُعطى نسبة من الضرائب (التي تُجنى من إيرادات صيد اللآلئ والزراعة وإنتاج التمور) للحكّام في الشارقة. وفي حين كانت الشارقة واسعة النفوذ وتملك مدخولاً مطّرداً، كانت رأس الخيمة أفقر بكثير.

لكن كان هناك عدد من القبائل التابعة لرأس الخيمة، ومنها قبيلة الشحوح التي كانت لديها أملاك وحقوق عرفية في الإمارة على الرغم من أنها كانت خاضعة لسلطنة مسقط. شعم والجزيرة الحمراء والرمس هي من القرى التي كانت تسكنها قبيلة الشحوح وكانت خاضعة للحكم في رأس الخيمة.

وكانت دبا، وهي مستوطنة كبيرة على الساحل الشرقي تعود إلى ما قبل الحقبة الإسلامية، منطقة مهمّة تابعة للقاسميين خلال القرن الماضي. مصدر ثروتها ليس التجارة أو صيد اللآلئ، بل البلح. تشير التقديرات إلى أنها كانت تحتوي على 10000 شجرة نخيل.

لكن في مطلع القرن التاسع عشر، كانت الروابط التي تجمع دبا برأس الخيمة أقوى من تلك التي تربطها بالشارقة.

يتسم تاريخ دبا بالخصومة مع قبيلة الشحوح المجاورة. وهكذا كان على الوالي الذي عيّنه القاسميون للإشراف عليها بناء تحالفات لحمايته من غزوات الشحوح.

ازدادت قبيلة الشحوح نفوذاً مع مرور الوقت، وحاولت أكثر فأكثر التقدّم في أراضي دبا. في العام 1932، اضطُرّ راشد بن أحمد، والي دبا، إلى طلب المساعدة من سلطنة مسقط. لكن مسقط طلبت في المقابل وبصورة غير متوقّعة، تسلّم الحكم في دبا، فلجأ حاكم الشارقة الذي أدرك أنه على وشك خسارة المنطقة، إلى الحكومة البريطانية طلباً للمساعدة. تدخّل البريطانيون، وظلّت دبا خاضعة لحكم الشارقة.

لسنوات طويلة، لم يكن بالإمكان الوصول إلى دبا إلا عن طريق البحر انطلاقاً من مدينتَي خورفكان وكلباء اللتين تقعان على الساحل الشرقي وتخضعان لحكم الشارقة. لكن في الأزمنة الحديثة، شُقَّت ممرّات عبر العديد من الأراضي الرأسية الصخرية، فأصبح الوصول إلى دبا أسهل. وبعد الاستقلال الرسمي للفجيرة في العام 1952، بات شيخ الفجيرة يعيّن والياً في دبا.

في العدد المقبل، نتطرّق إلى حكم الوالي في أجزاء أخرى من الإمارات.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم