الأحد، 12 يوليو 2020

سوريا البلد الذي نسيه العالم

بقلم إيرين ماك كافرتي

Shutterstock ©

منذ عام ونصف العام، تنهال علينا الروايات والأخبار عن المعاناة في سوريا، إلى درجة أنه باتت لدينا مناعة عليها تقريباً. الشندغة تكلّمت مع سوري اختبر هذه المعاناة عن كثب. وهو يشرح لنا لماذا تشعر البلاد بأن باقي العالم تخلّى عنها.

مع إرسال هذا المقال للطباعة، يتواصل القتال العنيف في حلب، المدينة الثانية في سوريا. حصيلة القتلى الرسمية هي حوالى 19000، في حين هُجِّر أكثر من 800000 شخص، وهناك نحو 300000 مفقود.

لكن السؤال هو، هل نهتم فعلاً؟ منذ بدء الأحداث في سوريا في 15 مارس 2011، تردنا بصورة شبه يومية أخبار عن الفظائع التي تحصل هناك، وفي الأشهر الأخيرة، تصلنا تباعاً روايات كل واحدة منها أكثر إثارة للصدمة من الأخرى. إبادات جماعية، اغتصاب، قتل همجي للأطفال - يبدو أنه ليس هناك ما يعجز عنه النظام السوري. لكن المشكلة هي أن هذه القصص لم تعد تصدمنا. في الواقع، أصبحنا شبه فاقدين للإحساس أمامها.

لكن سوريا ليست بلداً من العالم الثالث، إنها دولة شرق أوسطية حديثة كانت تتباهى منذ وقت غير بعيد بتطوّرها وثقافتها ورقيّها.

وهذا الواقع يدركه تماماً أحمد أتاسي، وهو سوري في الخامسة والثلاثين من العمر يعيش الآن في فرنسا وينتمي إلى الجيش السوري الحر.

يقول أتاسي "ما يحدث في سوريا يفتح قبل كل شيء عيوننا على الحقيقة. نشاهد هذه الأمور عبر شاشات التلفزة، لكنها تحصل دائماً في أماكن أخرى. أما الآن فأشغّل جهاز التلفزيون وأرى أماكن أعرفها. حتى إنني تعرّفت على أحد الأرصفة حيث كانت هناك جثّة هامدة تطايرت أشلاء منذ بضعة أيام. كانت الأرض وتعرجاتها مألوفة بالنسبة إلي لأنني كنت أمارس رياضة الهرولة هناك".

أتاسي من مواليد حمص، ويتحدّر من عائلة سنّية مرموقة. نشأ في فرنسا، لكنه كان يمضي فصل الصيف في سوريا في طفولته، وعاش في حمص أربع سنوات متواصلة قبل أن يغادرها مؤخراً. ينخرط بنشاط في الجيش السوري الحر، وهو مقرّب من قادة الثورة.

غني عن القول بأنه يتألّم كثيراً للدمار الذي لحق بالمدينة. لكن أكثر ما يغضبه هو المعاناة التي يتكبّدها إخوانه وأخواته السوريون.

يقول وهو يهزّ برأسه "هذا فظيع جداً. إنه انحدار إلى الحضيض، لا بل أكثر. هذا أشبه بأسوأ ما شاهدتموه في أفلام هوليوود مضاعفاً مئة مرّة".

يفكّر قليلاً قبل أن يضيف "تحتوي السجون وغرف التعذيب على 72 شخصاً يوضَعون جميعاً في زنزانة صغيرة. يتناوب السجناء على الجلوس، ويلتصقون بعضهم ببعض. إذا توفّي أحدهم، يتركونه في الزنزانة لمدّة 72 ساعة، فتتحلّل جثّته فيما يقف الآخرون بجانبه".

يبحث عن مثل آخر: "يحصل الاغتصاب على نطاق واسع. عندما دخل [جيش النظام] مؤخراً منطقة جندر عند الأطراف الغربية لحمص، اغتصب الشبّيحة 1200 فتاة تتراوح أعمارهم من 12 إلى 16 عاماً، وغالبيتهن أصبحن الآن حوامل. كيف تخبر طفلة في الثالثة عشرة من العمر تشتكي من آلام في معدتها، بأنها تحمل جنيناً في أحشائها؟" والقصف يستمرّ بلا هوادة. في بعض المناطق، يموت الناس جوعاً في منازلهم لأنهم يخشون الخروج. يروي أتاسي "وجدنا عائلات توفّي جميع أفرادها، ليس بسبب التعذيب أو الهمجية بل لأنهم يخشون مغادرة منازلهم خوفاً لتعرّضهم للقصف".

عدد كبير من الأولاد فقدوا أهلهم وأصبحوا يتامى. يروي أتاسي "اختبأت إحدى العائلات في علية منزلها لكنها تعرّضت للقصف. وجدنا طفلاً عمره ثمانية أشهر حياً بين ذراعَي والدته. توفّيت هي وجميع أفراد العائلة لكن الطفل نجا. في مرحلة معيّنة، كان هناك 55 طفلاً دون الثانية من العمر يحتاجون إلى عائلات. كان علينا أن نقوم بتهريبهم تحت جنح الظلام ونوزّعهم في مختلف أنحاء سوريا، لأنه لو عثر عليهم النظام لقتلهم".

ويتابع "نرى أشخاصاً في حمص يحملون لافتات كُتِب عليها: ‘رجاءً اقتلوني بمسدّس وليس بسكّين’ أو "رجاءً لا تغتصبوني أمام عائلتي’. هذا أشبه بما كان يجري خلال القرون الوسطى عندما كانت القرى تُحرَق والنساء يُغتصبن ويُسرَق كل ما له قيمة. ما يحدث لا يستوعبه عقل بشري".

يقول أتاسي إن الحكومة لم تعد ترسل جيشها النظامي إلى البلدات والقرى: "يرسلون مرتزقة هم عادة علويون، ومن حزب الله، وشيعة وإيرانيون، ومهمّتهم هي القتل والتشويه والتعذيب. بعضهم يفعل ذلك على سبيل المتعة، والبعض الآخر يتقاضى أجراً".
على غرار معظم السوريين، كانت لأتاسي حصّته الشخصية من المعاناة: "خُطِف أفراد من عائلتي وقُتِلوا أو تعرّضوا للتعذيب. بعضهم أعيدوا أحياء، وبعضهم الآخر أعيدوا جثثاً هامدة في أكياس"، مضيفاً أن هذه الجرائم المروِّعة تدفعك إما إلى الخضوع وإما إلى الانتقام عبر رفع السلاح. يقول أتاسي "هذا بالضبط ما يفعله الجيش السوري الحر، خلافاً للنظام الذي يعتمد سياسة القتل؛ نحن نحمي أنفسنا في شكل أساسي. نناضل إنقاذاً لأرواحنا. والأمر المريع هو أنه لم يتحرّك أحد لنجدتنا".

من الواضح أنه يشعر، شأنه في ذلك شأن معظم السوريين، بأن العالم تخلّى عنهم. يقول "ليس العالم الخارجي الوحيد الذي تخلّى عنّا وتركنا ندافع عن أنفسنا، بل إخوتنا في العالم العربي تخلّوا عنّا أيضاً. هذا دليل على الازدواجية الموجودة في المجتمع الإسلامي، هناك الكثير من الكلام والخطابات، إنما القليل من الفعل".

يضيف أتاسي "روسيا ترسل الأسلحة، وأمريكا تكتفي بإطلاق التصريحات والنعوت، وفي غضون ذلك، بلغنا مرحلة حيث باتت حصيلة القتلى تزيد عن مئة شخص أسبوعياً. فلنجرِ مقارنة مع العراق. في أسوأ المراحل، كان مئة شخص يلقون مصرعهم يومياً، لكن الفارق هو أن العراق كان يتعرّض لاجتياح شامل من قوة أجنبية".

يشير إلى أنه على الرغم من امتناع البلدان الأخرى (ما عدا تركيا) عن المساعدة، تقدّم أفراد كثر - بعضهم عرب إنما ليس جميعهم - للمساعدة عبر الانخراط جسدياً في القتال أو توفير الدعم المالي، مضيفاً "لكن يجب أن تتذكّروا أنها ليست قضية محض عربية. إنها قضية إنسانية وإسلامية. تتعرّض الأكثرية السنّية في سوريا لتطهير عرقي على يد الأسد. وأكثر من ذلك، يحدث هذا إلى حد ما منذ أربعين عاماً".
يتابع أتاسي "هذه ليست ثورة للطبقة الدنيا في سوريا على الرغم من الهوّة الشاسعة بين الأغنياء والفقراء. إنه تطهير عرقي واضح للعيان بمساعدة حزب الله والإيرانيين والشيعة في العراق، وتحت غطاء روسي".

يعلّق أتاسي "من وجهة نظر تقنية، لقد تحوّلت حرباً شيعية-سنّية لأن العلويين فرع من الشيعة، وحزب الله هو جزء من الجشع الإيراني للسلطة والنفوذ. إنها مسألة مذهبية، وجوهر الموضوع هو أن الأسد يقتل شعبه. يتعامل مع 70 في المئة من أبناء بلده على أنهم أعداء له".

يقول إن الشعب يأمل، على الرغم من معاناته الطويلة، بأن تكون النهاية قريبة: "نتطلّع إلى حدوث انقسام في الجيش، وفي كل يوم هناك انشقاقات. إنه جيشنا، ولا نريده أن يموت. نريدهم أن ينضموا إلينا".

يقول إن الجيش الحر لا يقوم بإعدام عناصر الجيش النظامي عند أسرهم: "نستخدمهم إما للمقايضة وإما يتم توقيفهم لمحاكمتهم في المستقبل".

ليست لديه أيّ نية في إقصاء العلويين، بل على العكس، يقول إنه يجب أن تكون سوريا وطناً للجميع: "يجب أن يكون هناك علويون، تماماً كما يجب أن يكون هناك أكراد وسنّة - يجب أن تحضن سوريا الجميع".

يختم أتاسي بأنه على الرغم من كل ما مرّ به السوريون، فإن غالبيتهم لا تسعى خلف الانتقام بل تريد أن تعود الأمور إلى حالتها السويّة: "معظم هؤلاء الأشخاص يريدون أن يعيشوا حياة طبيعية. لقد عانوا كثيراً، لقد تجاوزوا الانتقام. يريدون فقط أن يتوقّف القتل".

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم