السبت، 04 يوليو 2020

ذكرى و تكريم

بقلم بول فيندلي

Shutterstock ©

تصطف شواهد القبور المصنوعة من الرخام الأبيض على مساحة كبيرة جداً إحياءً لذكرى الجنود الذين قضوا في الحروب. ففي المقبرة الوطنية في أرلينغتون في ولاية فرجينيا يرقد أكثر من 300.000 محارب، وينضم إليهم باستمرار مزيدٌ من الأشخاص.

منذ فترة طويلة، أعربت لوسيل التي كانت زميلتي في سلاح البحرية وأصبحت لاحقاً زوجتي المخلصة والمحبّة طوال 65 عاماً، عن رغبتها الشديدة في أن تُدفَن في أرلينغتون. وقبل أسبوع  تحقّقت أمنيتها.

تقدّم الموكب الجنائزي جنديٌّ من سلاح البحرية ممتطياً جواده، وخلفه ستة جياد تجرّ الصندوق ببطء على تلّة طويلة في الصباح الباكر في 21 مايو. وكان بداخل الصندوق تابوت ملفوف بالعلم الأمريكي وعلبة تحتوي على رماد لوسيل. وسارت فرقة من جنود البحرية أمام التابوت حاملين بنادقهم، وبجوارهم فرقة موسيقية صمتت طبولها في أجواء من السكينة والوقار تفرضها هيبة الموقف.

لدى الوصول إلى سفح التلّة، عزفت الفرقة لحن America the Beautiful ثم نشيد البحرية. وأطلقت فرقة من سبعة جنود ثلاث طلقات في تزامن شديد الدقّة.

وفي موقع الدفن، تم ثني العلم في شكل مثلّث شديد الإتقان. وبعدما تلا القسيس الصلاة والدعاء الختامي، أنزل الجنود صندوقاً يحتوي على بقايا لوسيل عميقاً في القبر. ثم وضعوا فوقه تابوتا فارغاً كي يحضن رماد جثماني عندما يصل ذات يوم إلى أرلينغتون.

كانت لوسيل ممرّضة في البحرية خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت مدرَّبة في شكل خاص على إجلاء الجنود الجرحى من ساحات المعارك عن طريق الجو. كان مركزها في غوام، وكانت تعمل مع مجموعة صغيرة وفخورة تُعرَف بـ"ممرّضات البحرية المتنقّلات جواً". كن يسافرن إلى ساحات المعارك، فقد توجّهن أولاً إلى أيو جيما، ثم إلى أوكيناوا.

بعيد وفاتها في 21 أغسطس، أقيم حفل تأبين في كنيسة المخلّص في جاكسونفيل. وحُدِّد موعد دفنها في أرليغنتون في أواخر أكتوبر، لكن بسبب البرودة الشديدة أرجئ إلى الربيع. وكم كان الوقت مثقلاً بالأحزان والذكريات بالنسبة إلي فيما انتظرتْ لوسيل طويلاً كي توارى الثرى.

وعشت في الأشهر الأخيرة تجربة مؤثّرة أخرى، فقد شاركت في رحلة تكريمية على شرف قدامى المحاربين الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية. وكانت هذه الرحلات تنطلق في الصباح الباكر من المطار المحلي في جاكسونفيل باتجاه العاصمة واشنطن حيث تُنظَّم جولة لمدّة يوم كامل على نصب الحرب التذكارية، ويعود المشاركون إلى منازلهم في مساء اليوم نفسه.

كنا لوسيل وأنا مزمعَين على القيام برحلة تكريمية في أواخر أكتوبر الماضي، أي بعد ثلاثة أشهر من وفاتها. بعدما ألغيت الحجزَين، أقنعني جيمس كارلتون، وهو جاري في جاكسونفيل ومسؤول عن الرحلات التكريمية، بأن أحجز تذكرة لي في رحلة 17 أبريل.

كانت التجربة الأكثر رفعاً للمعنويات التي عشتها في حياتي. فقد انضممت إلى 81 محارباً قديماً - معظمهم شاركوا في الحرب العالمية الثانية - على متن رحلة تكريمية في مطار سبرينغفيلد. وكان لكل واحد منّا حارسٌ يساعده.

والحارس الذي كُلِّف بمرافقتي كان كارلتون الذي يرأس مكتب مورغان-كاس فارم. منذ لقائي به حتى الساعة الثالثة والنصف من فجر اليوم الثاني عندما أقلّني إلى منزلي، أظهر احتراماً وجلَداً كبيريَن ولم يوفّر جهداً ليؤمّن لي أسباب الراحة.

كان جاهزاً دائماً للمساعدة، ومتفانياً في خدمته لي. كان العديد من المحاربين في الرحلة مصابين في يدهم أو ساقهم ويعجزون عن تحريكها، ومنهم من يعجز عن الوقوف، لكن كانوا يحصلون جميعاً على المساعدة لصعود الطائرة والحافلات والنزول منها عند كل محطة.

خلال رحلة العودة، تلقّى كل واحد منّا علبة مليئة بالرسائل. فقد طلب المنظِّمون من الأقرباء والأصدقاء وتلاميذ المدارس إرسال بطاقات أو رسائل إلى المحاربين القدامى. وقد احتوت علبتي على 21 رسالة وبطاقة.

بعد الهبوط في مطار سبرينغفيلد، شكّل قدامى المحاربين - ومعظمنا نجلس على الكرسي المتحركة - موكباً تقدّم باتجاه شبابيك التذاكر. كانت الساعة 9:45 ليلاً، وقد دُهِشت عندما رأيت أكثر من 200 شخص، بينهم الصغير والكبير، والعسكري والمدني، يتجمّعون هناك ويهتفون ويصفّقون مرحّبين بنا بحرارة شديدة.

اختصر حارسي كارلتون هذه التجربة قائلاً "إنه من أكثر المشاريع إرضاءً لي في حياتي. زوجتي جان وأنا نحبّه كثيراً". أما أنا فرأيت فيه تعبيراً عن الحب الخالص الذي يكنّه الناس من مختلف الأعمار لبلدهم، وتعزّز هذا الشعور أكثر فأكثر خلال مراسم الدفن المهيبة في أرلينغتون. لقد انبعثت في داخلي ثقة جديدة بمستقبل أمريكا.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم