الثلاثاء، 20 أكتوبر 2020

أوقات صعبة لمتجنبي الضرائب

بقلم ليندا س. هيرد

Shutterstock ©

الضريبة ليست هاجساً للأشخاص المحظوظين الذين يعملون في الإمارات، ما عدا مواطني الدول التي تفرض ضرائب على دخل رعاياها بغض النظر عن المكان الذين يعملون فيه. ولذلك يضع عدد كبير من رجال الأعمال المغتربين والشركات والمؤسّسات الأجنبية أموالهم في حسابات في الخارج لحجبها عن أعين الجهات الضريبية. لكن الدول التي تعاني من ضائقة مالية، تعمل على تطبيق قواعد جديدة تساهم في تعزيز الشفافية. تقرير لليندا هيرد...

يثير متجنِّبو الضرائب عاصفة من الغضب الأخلاقي في العواصم الأوروبية التي تجري خفوضات في موازناتها المالية وفي نظم الرعاية الاجتماعية من أجل درء الركود. لا بد من التوضيح أولاً بأن هناك فارقاً بين تجنّب الضريبة الذي يُعرَف أيضاً بخفض عبء الضريبة - وهو عبارة عن تحايل قانوني على النظام الضريبي من خلال الثغرات الموجودة في القوانين - والتهرّب من الضريبة حيث يتعمّد المكلّفون الغش في التصريح عن مداخيلهم. يدفع الموظف العادي نسبة ضريبية أعلى من صاحب الثروة الكبيرة، ويتعرّض للمضايقات من السلطات الضريبية، في حين تملك الشركات المتعدّدة الجنسيات القدرة على الاستعانة بمحاسبين متمرّسين في مجال الضريبة، وتقوم بإنشاء شركات وهمية. وتجربتي في هذا الإطار خير دليل على ذلك. عندما بدأت العمل بصورة مستقلّة في العشرين من عمري، زارني مفتّش متجهّم الوجه من دائرة الإيرادات الداخلية، ورفض كوب الشاي الذي عرضته عليه. قال لي "جئت لقبض مبلغ عالق من قيمة الضريبة على الدخل". فسألته بوجل وأنا أفكّر بحسابي المصرفي الضئيل "كم تريد؟" أجابني بملامح صارمة "6.20 جنيهات استرلينية" (36.70 د.أ.)، أي أقل من كلفة الوقت والمواصلات التي تكبّدها للقدوم إلى منزلي.

تتعرّض شركات "ستاربكس" و"غوغل" وأمازون" لانتقادات شديدة في بريطانيا الآن، على خلفية الاتّهام الذي وجّهته إليها رئيسة اللجنة البرلمانية في مجلس العموم بـ"سرقة المكلّفين" عبر "استخدام هيكليات واستغلال التشريعات الضريبية الحالية كي تنقل إلى الخارج أرباحاً من الواضح أنها تحقّقها من نشاطها الاقتصادي في المملكة المتحدة". على سبيل المثال، بلغت مبيعات شركة "أمازون" 207 ملايين جنيه استرليني (1.2 مليار د.أ.) في العام 2011، لكن الضريبة التي فُرِضت عليها لم تتجاوز 1.8 مليون جنيه استرليني (10.65 مليون د.أ.). وسجّلت مبيعات "ستاربكس" نحو 3.1 مليار جنيه استرليني (18.3 مليار د.أ.) في الأعوام الثلاثة عشر الماضية، لكن المبلغ الذي دخل صندوق الخزينة بلغ 8.6 ملايين جنيه استرليني (50.9 مليون د.أ.) فقط.

وبلغت مبيعات "غوغل" 2.5 مليار جنيه استرليني (1.4 مليار درهم إماراتي) في بريطانيا العام الماضي، لكن الضريبة التي دفعتها الشركة لم تتخطَّ 3.4 ملايين جنيه استرليني (20.1 مليون د.أ.). وانتقدت اللجنة أيضاً بشدّة دائرة العائدات والجمارك البريطانية لـتساهلها الشديد"، وكذلك غياب التعاون الدولي.  يشار إلى أن فرنسا وإيطاليا اعتمدتا مقاربة أكثر تشدّداً. فقد داهمت السلطات مكاتب "غوغل" في باريس، وصادرت وثائق ومستندات ثم طلبت من الشركة تسديد ضرائب بلغت قيمتها 2.18 مليار دولار (8 مليارات د.أ.)، أي أكثر بكثير من مبلغ الـ252 مليون دولار (925 مليون د.أ.) الذي كانت "غوغل" تنوي دفعه لتسديد الضرائب المتوجِّبة عليها. وبعد مراجعة سجلات الشركة، اتهمت إيطاليا "غوغل" بعدم التصريح عن كامل مداخيلها، وعدم استيفاء الضريبة على القيمة المضافة كاملةً. وشركة "مايكروسوفت" هي أيضاً في مواجهة العاصفة، فقد اتّهمتها إحدى اللجان في مجلس الشيوخ الأمريكي بتجنّب دفع ضرائب تصل قيمتها إلى 4.5 مليارات دولار (16.5 مليار د.أ.) في فترة 2009-2011. يكمن الخطر في أنه إذا تشدّدت الحكومات في مطاردة الشركات المتعدّدة الجنسيات، أو أغلقت الملاذات الضريبية، أو اعتمدت قوانين أكثر صرامة، فسوف تصاب الشركات الدولية بالذعر، ما يدفعها إلى نقل عملياتها إلى الخارج.

في قت سابق هذا العام، أعلنت "شبكة العدالة الضريبية" أن قيمة الأصول المخبّأة في الملاذات الضريبية تتراوح من 21 إلى 32 تريليون دولار (77 إلى 117.5 تريليون د.أ.)، أو ما يوازي 40 في المئة من الناتج العالمي السنوي. قال مدير الشبكة جون كريستنستون "لا يجري التهرّب فقط من الضريبة على الدخل، إنما أيضاً من الضريبة على أرباح رأس المال، والميراث، وسواها من الضرائب. ففيما تتراكم الديون المترتّبة على الحكومات، يزداد العبء على أصحاب الدخل المتوسّط والمنخفض. وتُضطرّ الحكومات إلى خفض الإنفاق، كما أنها تفتقر إلى الموارد الضرورية لتحفيز الاقتصاد".

تشير ورقة سُرِّبَت مؤخراً إلى أن بريطانيا ستطلب من جزر القنال، وجزيرة آيل أوف مان، وجزر كايمان، أن تكشف تلقائياً لدائرة العائدات الداخلية، عن الأسماء والتفاصيل الخاصة بالأشخاص الذين يملكون حسابات مصرفية لديها (تُعطى هذه المعلومات حالياً بناء على طلب محدّد). إذا جرى العمل بهذا الإجراء، فسوف يتراجع مصدر الدخل الأساسي لهذه الجزر مع توجّه المستثمرين إلى أماكن مثل هونغ كونغ وسنغافورة. يخشى سكّان جرسي أن يُضطروا إلى الاعتماد على تصدير البطاطس من البر الرئيسي. وسوف تعاني مدينة لندن من تأثير سلبي أيضاً نظراً إلى أن مصارفها تتولّى حالياً إدارة المعاملات التي تتم في تلك الملاذات الضريبية. فضلاً عن ذلك، وقّعت وزارة المال البريطانية معاهدة مع سويسرا توصَف بأنها "التسوية الأكبر للتهربّ الضريبي في التاريخ البريطاني"، ومن المتوقّع أن تسمح بجمع خمسة مليارات جنيه استرليني (29.6 د.أ.) في غضون ستّة أعوام، عبر سحبها من الحسابات التي يملكها الأشخاص المقيمون في بريطانيا في المصارف السويسرية.

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مصمّم على مطاردة متجنّبي الضرائب والمتهرّبين منها ويضع هذه المسألة في سلّم أولوياته، ويعمل من أجل التوصّل إلى إجماع حول هذا الأمر لدى تسلّم المملكة المتحدة رئاسة مجموعة الثماني - الاقتصادات الغربية الأكثر ثراء - العام المقبل. فهو يريد قطع الطريق على المتحايلين على النظام الضريبي، ولا سيما الشركات، ومن المرجّح أن يحظى بتأييد الدول التي تسيطر على 40 في المئة من الملاذات الضريبية في العالم. المطالبة بسحب مزيد من الأموال من الفئات التي تستطيع تحمّل العبء لازمةٌ شعبية تتكرّر في شوارع أوروبا والولايات المتحدة التي أنتجت الحركات التي ترفع شعار "احتلوا". لكن هذه المساعي لا تحظى بتأييد الجميع. تعتبر شركة "يو إيتش دبليو هاكر يونغ"، وهي من أبرز 20 شركة محاسبة في بريطانيا، أن المكلّفين البريطانيين يرزحون تحت وطأة المعدّلات الضريبية المرتفعة جداً (34 في المئة من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بـ29 في المئة في باقي دول مجموعة الثماني)، بما يؤدّي إلى كبح النمو ويشجّع على تجنّب الضريبة. تُعرّض هذه الضرائب المرتفعة المملكة المتحدة لخطر "خسارة الوظائف والاستثمارات لمصلحة المنافسين في الخارج"، بحسب الشركة. يشتكي البريطانيون من أنهم لا يحصلون على القدر الكافي من الخدمات في مقابل الضرائب التي يدفعونها. يدفع السويديون ضرائب تصل إلى 70 في المئة من أجورهم (متوسّط نسبة الضرائب يفوق 50 في المئة)، لكنهم يحصلون على رعاية جيدة جداً من الدولة من المهد إلى اللحد.

لا عجب في أن المغتربين الذين يتمتّعون بالمهارات والمؤهّلات ينجذبون إلى الإمارات حيث يمكنهم أن يحملوا أموالهم إلى وطنهم الأم من دون أن تمسّها الذراع الطولى للجهات الضريبية، لكنهم ينعمون أيضاً بالمزايا التي تقدّمها لهم الفنادق والمطاعم والمنشآت الترفيهية والرياضية العالمية الطراز، فضلاً عن المطارات وشركات الخطوط الجوية. لكن الجدير ذكره هو أن الإمارات ليست خالية تماماً من الضرائب، فهناك ما يُعرَف بنظام الدفع عند الاستخدام والذي يشمل رسوم عبور الطرقات السريعة، وركن السيارات، والرسم السنوي على بدلات الإيجار إلخ.، والتي تساهم في تسديد تكاليف البنى التحتية.

يملك المواطنون والمقيمون في الإمارات دخلاً متاحاً للتصرّف به أكبر من ذاك الذي يتوافر لنظرائهم في أوروبا والولايات المتحدة، ما يمنح اندفاعة لمختلف القطاعات الاقتصادية. أعتقد أن معظم المغتربين في الإمارات منهمكون بعيش الأزمنة الجميلة والإفادة منها، ولا وقت لديهم للتوجّس من شبح الضرائب الذي ينتظرهم لدى العودة إلى ديارهم. في الانتظار، قد يكون من الأجدى بهم أن يفكّروا في المكان الأفضل لوضع مدّخراتهم لأن الأخ الأكبر المتعطّش للسيولة يتحيّن الفرصة للانقضاض عليهم.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم