الأحد، 29 نوفمبر 2020

الجوع القاسي يُخيّم بظلاله على مصر

بقلم سهيلة رمضان

AP Image ©
Shutterstock ©

فيما يستمر الأخوان المسلمين في مصر بإحكام قبضتهم على البلاد بقيادة محمد مرسي، يقع المزيد من المصريين فريسة الفقر والجوع نتيجة لتدهور الأوضاع الإقتصادية. ومن الممكن أن تسوء الأمور أكثر بحسب تقرير سهيلة رمضان.

منذ اندلاع الثورة في 25 يناير 2011، لم يتغيّر الكثير في الضواحي الفخمة في القاهرة والإسكندرية، المدينة الثانية في مصر. يرتشف الميسورون قهوة بالحليب و"ميلك شيك" في المقاهي الإيطالية الطراز أو في النوادي الاجتماعية الخاصة المترفة، ويشترون أحدث ابتكارات الماركات المعروفة في البوتيكات الباهظة الأسعار، ويجرّون العربات المليئة بالمشتريات إلى سيارات جديدة مركونة خارج المراكز التجارية الدولية الكبرى. لكن بعيدا من الأحياء الفخمة والمجتمعات المغلقة الشبيهة ببيفرلي هيلز، يقف السواد الأعظم من المصريين في صفوف طويلة للحصول على أرغفة سمراء مدوَّرة وقاسية مصنوعة من أرخص أنواع الطحين أو يتحلّقون حول الباعة المتجوّلين الذين يبيعون سندويشات يحضّرونها من آذان الحيوانات أو ذيولها أو أمعائها.

وفي المناطق الأفقر، أغلق عدد كبير من اللحّامين متاجرهم لأن الزبائن لا يملكون ثمن لحم البقر أو الخروف، إذ يصل سعر الكيلو إلى أكثر من 80 جنيهاً مصرياً (12 دولارا أمريكياً) في حين أن كثراً يعتاشون بأقل من دولارين في اليوم الواحد. وبعض الأشخاص الأكثر ابتكارا يشترون الخبز البالي من المطاعم قبيل موعد إقفالها بربع ثمن الخبز الطازج.

فمن اعتقدوا أن التخلّص من الرئيس السابق #حسني_مبارك سوف يُنقذ البلاد من كل الشرور، أصيبوا بخيبة أمل كبيرة. قبل عامَين، كان اسم مبارك قد أصبح مرادفاً لكل الصفات السيئة. أما اليوم، فيربط عدد متزايد من المصريين حقبة مبارك بـ"الأيام السعيدة الغابرة". ويرفع آخرون سبق أن تظاهروا بشدّة ضد #الحكم_العسكري، لافتات يعتذرون فيها من الجيش. ويطالب عدد لا بأس به من المواطنين، لا سيما في قناة السويس ومدن أخرى مجاورة، بانقلاب عسكري تمهيداً لتنظيم #انتخابات_جديدة.

الوظائف أكثر ندرة من أي وقت مضى، ويتراجع الجنيه المصري في مقابل الدولار الأمريكي (انخفض بنسبة 10 في المئة منذ ديسمبر الماضي)، وتسجّل أسعار المواد الغذائية والمحروقات ورسوم المواصلات ارتفاعا شديدا. يزداد المستوردون حذرا، ما يؤدّي إلى توقف الاستيراد وفقدان المواد الغذائية والأدوية عن الرفوف. بات على المصري أن يمضي يوماً بكامله في التنقّل من متجر إلى آخر لإيجاد علبة فول.

تنتشر الشقق السكنية التي بنيت على عجل بعد الثورة وبكلفة رخيصة، مُحدِثة تشوّهات في مشاهد المدينة، لكن الجزء الأكبر منها لا يزال غير مأهول. تتضاعف أعداد المتسوّلين في الشوارع؛ يركض أولاد صغار لا يتعدّى عمر بعضهم الخمسة أو الستة أعوام، بين السيارات معرّضين حياتهم للخطر، ويطرقون بأيديهم على نوافذ السيارات أملاً في الحصول على صدقة.

تعكس الإحصاءات عن الجنح الصغيرة درجة القنوط التي بلغها المصريون. إلا أنه نادراً ما يُشاهَد عناصر الشرطة في الشوارع لأن بدلاتهم النظامية تستفزّ المجموعات الغاضبة من السلطات لتَسَبُّبها بمقتل متظاهرين أو إصابتهم بجروح؛ وقد نفّذ رجال الشرطة إضرابا في بعض المدن احتجاجا على تدنّي أجورهم وعلى أسلحتهم الأقل تطورا من أسلحة البلطجية الذين يملكون رشاشات شبه أوتوماتيكية.

الجميع تقريباً في مصر قلقون من المستقبل؛ ولكل مجموعة مظالم تشتكي منها. يتخوّف المسيحيون الأقباط، ربما لأسباب غير منطقية في هذه المرحلة، من أنهم يتحوّلون إلى "#اليهود_المصريين" الجدد الذي يتعرّضون #لاضطهاد_الدولة، لا بل يخشون حتى أن يتم طردهم من البلاد.


ويشعر الليبراليون بالنقمة من الحكومة بسبب حملة القمع التي تشنّها على المعارضة، وتؤثّر سلبا في الحريات الإعلامية. فقد تلقّى مقدِّمو البرامج الحوارية ذات الشعبية، مثل عمرو أديب، وتوفيق عكاشة، ومؤخرا المقدّم السياسي الساخر، باسم يوسف، الذي يُقدّم برنامجا شبيها ببرنامج جون ستيوارت "دايلي شو"، تهديدات بالاعتقال أو صدرت بحقّهم مذكرات توقيف بتهمة الإساءة إلى الرئيس. وقد أخضِع يوسف للاستجواب لمدّة خمس ساعات في مكتب المدّعي العام قبل إطلاق سراحه بكفالة. وتلقّت القناة التي تبثّ برنامجه الأسبوعي، "البرنامج"، الذي يستقطب 30 مليون مشاهد، تحذيراً بسحب ترخيصها في حال لم يتوقف يوسف عن انتقاد النظام.

ويعبّر الناشطون الشباب عن غضبهم لأن "الإخوان المسلمين" اختطفوا ثورتهم، ويعتبرون أن المرشد الأعلى هو الذي يتحكّم بالرئيس محمد مرسي ويرسم له سياساته، في مسار مناقض تماماً للديمقراطية التي حلموا بها. تتردّد الشابّات في المشاركة في التظاهرات خوفاً من أن يقتادهنّ أحدهم إلى نواحِ مظلمة في الشارع لاغتصابهنّ أو التحرّش بهن جنسياً، وهي جرائم لم يكن يُسمَع بها عمليا في ظل الحكم السلطوي لمبارك. وتتضاءل أعداد السياح يوماً بعد يوم، بسبب التقارير عن أعمال العنف في الشوارع وخطف الأجانب في منتجعات البحر الأحمر.

ليس المشهد جميلاً في الإجمال، والرئيس يعرف ذلك جيداً. فهو لم يفشل وحسب في الوفاء بالوعود التي قطعها في حملته الرئاسية، بل تسبب أيضاً بنفور المستثمرين ورواد الأعمال والقضاة والمحامين، وحتى شيوخ الأزهر، المركز الأول للدراسات الإسلامية في البلاد، بواسطة إصداره مراسيم غير مدروسة وسعيه الواضح إلى تعيين "الإخوان المسلمين" في مناصب حكومية نافذة. يظهر من المناخ العام أن شعبية "الإخوان المسلمين" تتراجع حتى في أوساط قاعدتهم التقليدية، أي الفقراء وغير المتعلّمين. إنهم الأشخاص الذين بنوا آمالاً عالية على عيش حياة كريمة، لكنها تحطّمت على أيدي من يتسلّمون مقاليد السلطة حالياً. فهم لا يرزحون فقط تحت وطأة الارتفاع في أسعار المواد الغذائية، بل تلقّوا ضربة قوية أيضاً بعد إقرار قانون ينص على إلغاء بدلات الإيجار الثابتة التي أفاد عشرات ملايين المصريين منها منذ الحقبة الاشتراكية في ظل عبد الناصر.

ومن المتوقع أن تصبح الأمور أسوأ بكثير، إذا وافقت الحكومة على الشروط التي ينبغي عليها التقيّد بها للحصول على قرض قدره 4.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، والذي من شأنه أن يؤدّي إلى تحرير مساعدات متعدّدة الأطراف تصل إلى 15 مليار دولار، وقروض منخفضة الفوائد. قد يحول قرض صندوق النقد الدولي دون تحوّل مصر إلى دولة فاشلة مفلسة، لكنه يلقي بثمن باهظ على كاهل المصريين العاديين الذين سيواجهون زيادات كبيرة في الضرائب، وانخفاضا في الدعم الحكومي للمواد الغذائية والمحروقات، بما في ذلك الغاز المستخدم في الطهو. في بلد يجتاحه التململ العام حيث أصبح يوم الجمعة مخصّصا للهتافات المناهضة للحكومة وإطلاق المقذوفات المشتعلة في معظم الأحيان، مما لا شك فيه أن فرض مزيد من التقشف يؤجّج مشاعر الغضب أكثر - وقد يؤدّي إلى اندلاع ثورة جياع تذكّر بانتفاضة الرغيف في سبعينيات القرن الماضي.
في الواقع، التململ الشعبي الذي تحوّل إلى احتجاجات عنيفة هو السبب الأساسي للصعوبات الاقتصادية. وجل ما سيفعله قرض صندوق النقد الدولي هو أن يؤخّر مؤقتا المسار الذي تسلكه البلاد نحو الانهيار، كما كان حال المساعدات التي أرسلتها دول الخليج. مصر هي بلد غني في الأساس، فقد أنعِم عليها بالنفط والغاز، والمعادن، والصناعة والزراعة والسياحة، ناهيك عن قناة السويس التي تؤمّن الكثير من العائدات. صحيح أن الصعوبات التي تواجهها تعود إلى سوء الإدارة، لكنها في شكل أساسي سياسية في طبيعتها.

ثمة حل سريع وشبه مؤكّد يتمثّل في تشكيل حكومة وحدة وطنية مؤلّفة من شخصيات محترمة من مختلف الإتجاهات والأحزاب، فضلاً عن سياسيين مخضرمين، وديبلوماسيين ذوي صلات في الخارج، وخبراء اقتصاديين، وتكنوقراط. لكن جماعة "الإخوان المسلمين" التي كانت محظورة من قبل وتتحيّن الفرصة لإحكام قبضتها على بلد كان المصريون يسمّونه "أم الدنيا"، لن تتنحّى على الأرجح بسهولة من دون خوض معركة للبقاء على رأس السلطة.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم