الأحد، 20 يونيو 2021

أين المجتمع الدولي فيما الكواسر تنهش سوريا ؟

بقلم خلف أحمد الحبتور

© Al Habtoor Group

لم أتخيّل مطلقاً أنه سيأتي يوم نشهد فيه على نظام يمارس الذبح والتعذيب والتجويع بحق المدنيين العزّل ويُطلق عليهم الغازات السامة، بل رادع ومع إفلات تام من العقاب. لا بد من أنكم ارتعدتم لرؤية مشاهد الأطفال السوريين الذين نتأت عظامهم وانتفخت بطونهم.

 ولا بد من أنكم قرأتم قصص الأولاد والعجائز في مدينة حمص الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى أكل العشب وأوراق الشجر والخنافس كي يتمكّنوا من البقاء على قيد الحياة وهؤلاء يُعتبرون محظوظين. لقد تعرّضنا جميعنا لوابل المشاهد والصور القادمة من #سوريا، والتي يظهر فيها ضحايا الهجمات الكيميائية يتشنّجون ويرتجفون فيما يحاولون التنفّس لإدخال الهواء إلى رئتَيهم؛ المشاهد قاسية جداً إلى درجة أنها غالباً ما تُرفَق بعبارة "ننصح المشاهدين بالحذر".

يعيش الملايين، 9.5 ملايين شخص بحسب بعض التقديرات الذين نزحوا إلى البلدان المجاورة، في ظروف مريعة، حيث يشعرون بالإذلال وبأنه غير مرغوب فيهم. متى سينتهي هذا كله؟ نظرياً، يستدعي مثل هذا الوضع تدخّل #الأمم_المتحدة التي تأسّست عام 1945 بعد المأساة التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية، من أجل "تحرير المدنين من الخوف". فضلا عن ذلك، يعيد قرار مجلس الأمن ، الدولي رقم 1674 ، الذي أُقِرّ عام 2006 التأكيد على مسؤولية حماية المدنيين العالقين في نزاعات مسلّحة. لكن هذا الأسبوع، فقدت #الأمم_المتحدة ما تبقّى لها من مصداقية.

فمقرّها لم يعد أكثر من مجرد مبنى جميل يُزيّن الأفق في نيويورك؛ صرحٌ باهظ الثمن حيث يُفكّر مسؤولون يتقاضون رواتب مرتفعة، في مشاكل العالم وأيديهم مكبّلة خلف ظهورهم. ،) يوم الخميس الماضي ) 22 مايو 2014 استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) لإسقاط مروع قرار في مجلس الأمن الدولي من أجل إحالة المسؤولين عن جرائم الحرب في #سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، هذا مع العلم بأن 60 دولة، بينها 13 دولة عضو في مجلس الأمن، دعمت مشروع القرار. أليست هناك مشكلة خطرة في منظومة تسمح لدولتَين فقط، تملك كلتاها مآرب شخصية، بأن تحتجزا باقي العالم رهينة لديها؟ لقد عمدت الصين وروسيا مؤخراً إلى تعزيز أواصر التعاون بينها، عبر توقيع اتفاق بقيمة 400 مليار دولار أمريكي في قطاع الغاز، ويعتقد بعض المعلّقين أنه يشكّل الخطوة الأولى نحو تشكيل كتلة اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية جديدة في مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا. لا يُخفى على أحد سجل الصين السيئ في مجال حقوق الإنسان، وتزداد الحكومة الروسية سلطوية وتعصّباً على المستوى القومي يوماً بعد يوم. تستعرض الدولتان عضلاتها الجيوسياسية؛ كما أن العلاقات مشحونة بين بيجينغ وبعض الدول المجاورة الغربية الميول بسبب خلاف على جزر غير مأهولة في بحر الصين الجنوبي، وكذلك بين بيجينغ وفيتنام على خلفية منصة نفطية أقامتها الصين على بعد 120 ميلا بحرياً قبالة الشاطئ الفيتنامي.

أما العلاقات بين موسكو من جهة والولايات المتحدة وحلفائها الأوروبين من جهة أخرى فتقف على حافة الانهيار بسبب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وتدخّلها المستمر في أوكرانيا الشرقية. لا تبالي القيادات الصينية والروسية على الإطلاق بمعاناة السوريين العالقين وسط شد الحبال بن العرب والغرب. لا عجب في أن المبعوث الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى #سوريا، الأخدر الإبراهيمي، قدّم استقالته رافعاً يدَيه من المسألة! ما لا شك فيه أن أساس المشكلة التي تواجهها الأسرة الدولية في #سوريا يكمن في دعم الرئيس بوتن لنظام الأسد ونظيره الإيراني، راعي الميليشيات الشيعية في الدول المجاورة الذي يحتضن كما تعلم أجهزة الاستخبارات التابعة للقوى العالمية - المجموعات الإرهابية في #سوريا، مثل "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام")#داعش( و"القاعدة" على الرغم من الاختلافات العقائدية، ويؤمّن لها التمويل والملاذ الآمن في إيران، كما ورد في تقرير نشرته صحيفة "الشرق الأوسط".

وقد كشفت معلومات مؤخراً أن الحرس الجمهوري الإيراني يجنّد لاجئين شيعية من أفغانستان للقتال في #سوريا عبر وعدهم بمنحهم 500 دولار شهرياً زائد السكن والإقامة. تساهم إيران إلى حد كبير في تفاقم المعاناة، لكن على الغرب والعالم العربي أن يتحمّلا مسؤوليتهما.

تُعتبر العاصمة السورية دمشق والمدينة الأكبر حلب من أقدم المجتمعات المأهولة في العالم، وتزخران بالكنوز والمعالم التاريخية والدينية والثقافية التي تتعرّض الآن للتهديد وخطر الزوال. حتى لو وضعنا جانباً المعاناة الإنسانية، يجب أن تكون تلك الوقائع وحدها كافيةً من أجل حضّ المجتمع الدولي على التحرّك. فسوريا تقع في قلب العالم العربي النابض، والسوريون إخوةٌ لنا. لكن ماذا فعلنا نحن العرب لمساعدتهم ما عدا إرسال بعض الأموال إليهم بهدف إراحة ضمائرنا؟ لماذا نتكبّد عناء بناء الجيوش وشراء الأسلحة المتطوّرة إذا كنّا نكتفي بذرف الدموع لدى مشاهدة المجازر والدمار؟ أشعر بالحنن إلى زمن كانت فيه الهوية العربية عنواناً للعزّة والإباء.

لكن بغض النظر عن إنجازاتنا السابقة، كيف لنا أن نشعر بالاعتزاز ونحن نجلس مكتوفي الأيدي منذ ثلاث سنوات فيما نتفرّج على بشار الأسد، الذي يسمي نفسه رئيساً عربياً، يرتكب مجزرة جماعية تودي بحياة 160 ألفاً من أبناء شعبه، ويفتخر كثراً بإنجازاته إلى درجة أنه يترشّح لولاية جديدة في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في الثالث من يونيو المقبل! تحوّلت المباني السكنية في المدن السورية أنقاضاً متفحّمة؛ السكّان محرومون من مياه الشرب ويعانون من انقطاع التيار الكهربائي، أما المواد الغذائية الأساسية فأصبحت ترفاً يستحيل الحصول عليه في بعض المناطق. وكيف يردّ الرئيس الأسد؟ يشنّ حملة للبقاء على كرسي الرئاسة. وأكثر من ذلك، تهتف له بعض الدول العربية الخاضعة لسيطرة إيران، وتقبل به دول أخرى. في عهد الخلفاء، كانت الجيوش تلاحق من يستولون على جمال أو ماعز، فكم بالأحرى أولئك الذين يمارسون انتهاكات بحق الإنسان؟ إذاً العرب يتجادلون ويتنهّدون، والقادة الغربيون يفركون أياديهم، والأمم المتحدة تلطم صدرها، وعماّل الإغاثة يستنجدون مطالبين بوضع حد لهذه الحرب الهمجية.

وفي غضون ذلك، يزداد الوضع سوءاً؛ فيسقط مزيد من الأشخاص ضحايا القصف والغازات السامة، وترتفع أعداد النازحين. في لحظة عابرة، بدا الرئيس أوباما حاسماً في قراره، لكنه عاد فغيرّ رأيه، وبدلاً من التحرّك، عقدَ صفقة مع الشيطان فسمح للقاتل بمواصلة مجزرته شرط الإحجام عن استعمال الأسلحة الكيميائية. تعكس المقاربة الأمريكية الضعيفة غياب الإرادة السياسية، وذلك خلافاً لاجتياح العراق الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 واعتبرته أمين عام #الأمم_المتحدة آنذاك، كوفي أنان، "غير شرعي"؛ ناهيك عن الدور الذي أدّته واشنطن في حروب البلقان في التسعينيات من دون أن تحظى بمباركة #الأمم_المتحدة.

 لا يسعنا سوى الاستنتاج بأن الولايات المتحدة التي نصّبت نفسها شرطي العالم، وقفت تتفرّج في المسألة السورية في حين أن هناك حاجة ماسّة إليها، أما القادة العرب فيبدون وكأنهم يقولون: "أيقظونا عندما ينتهي هذا كله". لماذا يُشيح العالم بنظره عن الفظائع التي تُرتكَب في #سوريا فيا يُظهر رد فعل قوياً حيال الأحداث الدائرة في أوكرانيا؟ هل السبب هو وجود مخطّط ما لسحق الأكثريات السنّية في الشرق الأوسط؟ للبحث صلة؛ في الانتظار، أترك لكم أن تتمعّنوا جيداً في هذه الفكرة.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم