السبت، 24 يوليو 2021

التسامح شيمة الأقوياء

بقلم خلف أحمد الحبتور

© Shutterstock

كتب المهاتما #غاندي الذي يُعتبَر من الشخصيات الأكثر حكمة في #القرن_العشرين: "الضعيف لا يستطيع أبداً أن يسامح. #التسامح شيمة الأقوياء". حكم البريطانيون بلاده بقبضة من حديد وجرّدوها من مواردها على امتداد تسعين عاماً تقريباً، لكنه رفض الانتقام وناضل من أجل المصالحة - تماماً كما فعل نيلسون مانديلا الذي قاد شعباً منقسماً نحو مستقبل يعمّه السلام. أعتقد أنه على العالم العربي أن يقرأ في كتاب #غاندي.

في هذه الحقبة المضطربة التي يكثر فيها أعداؤنا إلى درجة أننا نعجز عن إحصائهم جميعاً، علينا أن نعمل من أجل تعزيز دفاعاتنا بدلاً من أن نصبّ جهودنا للانتقام من الأشخاص الذين كانوا في موقع قوة في السابق ثم سقطوا ولحق بهم الخزي والعار، مثل أبناء #معمر_القذافي. هذا لا يليق بنا وليس من شيمنا. لا شيء أسمى من الرحمة. الاستقواء على الأشخاص عندما تتبدّل أحوالهم وصمة عار تلطّخ كرامتنا العربية.

لطالما اعتبرت القذافي مضطرباً عقلياً بعض الشيء، لكنني رأيت أن المصير الذي لقيه كان معيباً في وحشيته الشديدة. ارتكب الكثير من الأخطاء الفادحة، لكنه حافظ على وحدة ليبيا ولم يسمح للإرهاب بأن يتوغّل فيها، وكان الليبيون في عهده مكتفين ذاتيا إلى حد كبير لا يعانون من الحرمان والعوز أو الفاقة. لقد أصبحت عائلته مشتّتة، خسروا كل شيء. لا يمكنهم إلحاق الأذى بأحد، ويجب أن يُترَكوا ليعيشوا حياتهم بعيداً عن الأضواء.
وكأنه ليس لدى اللبنانيين ما يكفي من الهموم كي يتفرّغوا لمطاردة نجل القذافي، هانيبال، البالغ من العمر أربعين عاماً. إنهم يتعرضون للهجوم من تنظيم "#داعش"، ويقاتل "#حزب الله" إلى جانب النظام في سوريا. وهم عاجزون عن انتخاب رئيس بعد 18 شهراً من المباحثات واللقاءات. واقتصادهم في تدهور مستمر.

وعلى الرغم من ذلك كله، انشغلوا قبل أي شيء آخر بخطف هانيبال القذافي من سوريا بهدف اعتقاله على خلفية اختفاء موسى الصدر الذي توجّه في زيارة إلى ليبيا ولم يعد منها منذ عام 1978 عندما كان عمر هانيبال عامَين فقط!! ترى هل قتله بدمية دبّه المحشو! في هذه القضية، تُلقى أوزار الوالد على كاهل الابن. اختفى موسى الصدر، المولود في #إيران عام 1928، منذ وقت طويل. ماذا يأملون بأن يحقّقوا من هذا كله، ما عدا الانتقام من شخص لا علاقة له باختفائه؟

بحسب قناة "إم تي في" التلفزيونية اللبنانية، تعرّض إبن القذافي الذي أراد أن يلتئم شمله من جديد مع زوجته اللبنانية، للخداع عبر دفعه إلى لقاء أشخاص قيل له إنهم قد يتمكّنون من مساعدته. لكنه خُطِف واستُجوِب وضُرِب على أيدي مسلّحين يُعتقَد أنهم ينتمون إلى حركة "أمل" المتحالفة مع "#حزب الله" والتي يتزعّمها نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني.

إذا كان بري مهتماً إلى هذه الدرجة بـ"العدالة"، فلماذا لا يُسلّم عناصر "#حزب الله" الأربعة الذين أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قرارات اتهامية بحقهم لضلوعهم في اغتيال أحد أعظم الشخصيات اللبنانية، رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري؟

إذا كانت الحكومة اللبنانية مهتمة بالحفاظ على مصداقيتها، فعليها أن تخلي سبيل هانيبال القذافي الذي لا يرد اسمه على قائمة المطلوبين من المحكمة الجنائية الدولية، من قبضة بري. جريمته الوحيدة هو أنه إبن #معمر_القذافي. أناشد رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام أن يصدر على الفور قراراً بالإفراج عن القذافي كي يُثبت للعالم أن لبنان لا يخضع لسيطرة ميليشيات مسلّحة تدور في الفلك الإيراني.

القضاء الليبي الذي تديره حكومة طرابلس الخاضعة لسيطرة الإسلاميين وغير المعترف بها دولياً، يلجأ أيضاً إلى الانتقام. يُحاكَم الساعدي القذافي، وهو أيضاً من أبناء القذافي، بتهمة القتل والقمع. في أغسطس الماضي، انتشر شريط فيديو يظهر فيه الساعدي وهو يتعرّض للضرب على وجهه وقدمَيه. في الوقت نفسه يُسمَع صوت سجناء آخرين يصرخون ألماً في الخلفية.

وحُكِم على سيف الإسلام القذافي الذي بُتِرت أصابعه على أيدي المليشيات التي ألقت القبض عليه، بالإعدام رمياً بالرصاص في جرائم ارتُكِبت خلال الثورة التي لقي ثلاثة من أبناء القذافي مصرعهم فيها.
يبدو أن أبناء القذافي يتعرّضون لإبادة ممنهجة بسبب دفاعهم عن والدهم ضد الميليشيات وقوات الناتو الخاصة، والتي أجمعت الروايات على أنها تلقّت أوامر بقتله فور رؤيته.

علاوةً على ذلك، في حين أنني أتفّهم أن عدداً كبيراً من الأنظمة الإستبدادية الذين كانوا يحكمون بلدانهم قبل "الربيع العربي"، كانوا يستحقّون إطاحتهم من الحكم، يتّضح لنا الآن أن من حذّروا من مغبّة استبدالهم بمتطرفين إسلاميين أو من أن رحيلهم سيتسبب باندلاع فتنة طائفية تقود إلى حرب أهلية، كانوا محقين في هذا الامر. لكن للأسف لم يصدّقهم أحد في حينه.

كان يجب أن نتعلّم درساً من إطاحة صدام حسين في العراق. فقبضته الحديدية لم تشكّل رادعاً في وجه التوسّعية الإيرانية وحسب، لكنها حافظت أيضاً على سلامة الأراضي العراقية. وسقوطه لم يشرّع أبواب الديمقراطية على مصراعَيها، بل على العكس فتح أبواب الجحيم مطلقاً العنان للكراهية وأوقع البلاد في حمام الدم.

خير مثال على ذلك الرئيس المصري السابق حسني مبارك. يُظهر مقطع فيديو غير مؤرَّخ صُوِّر خلال وجوده في الحكم – وهو من ترجمة ريمون ابراهيم ونُشِر على الموقع الإلكتروني لمعهد غايتستون - نظرته إلى ما سيكون عليه مستقبل مصر من دونه.

فقد قال لمحاوره إن "الإخوان المسلمين" يستغلّون الوضع الاقتصادي السيئ عبر توزيع مبالغ صغيرة من المال على أنصارهم، قائلاً: "هاك، خذ هذا الكيس من الـ[نيترو]غليسيرين وألقِه هنا، أو افعل هذا أو ذاك بهدف زعزعة الاستقرار في مصر. وفي ما يتعلق بهذه المجموعات [الإخوان المسلمين]... لا تصدّقوا أبداً أنها تريد الديمقراطية أو ما شابه. إنهم يستغلّون الديمقراطية للقضاء عليها".

أضاف مبارك: "وفي حال تسلّموا الحكم، سيفرضون ديكتاتورية شنيعة. نحاول منذ سنوات أن نتحاور معهم، وما زلنا نحاول. لو كان الحوار يقتصر على الكلام، لا بأس. لكن عندما ينتقل الحوار من الكلام إلى الرصاص والقنابل..." كانت توقّعاته صائبة، ولولا تدخّل الرئيس عبد الفتاح السيسي في الوقت المناسب، غالب الظن أن مصر كانت لتسير على خطى سوريا #والعراق وليبيا.

شعرت منذ البداية بالأسى إزاء المعاملة التي لقيها الرئيس مبارك الذي كان بطلاً من أبطال أكتوبر؛ فقد تم تجاهل كل الأمور الجيدة التي قام بها خلال ثلاثين عاماً، وجرى التعتيم عليها خلف رغبة في الانتقام والعقاب. كان بإمكانه أن يغادر إلى خارج البلاد كما فعل الرئيس التونسي بن علي. كان بإمكانه أن يمضي السنين الأخيرة من حياته في منفى مريح. انتظرته طائرة على مدرج قرب شرم الشيخ طوال أيام. تلقّى عروضاً كثيرة من بلدان عدة، لكنه أثر البقاء في مصر لأنه يحب بلاده ولا يريد أن يموت في أي مكان غيرها. لو غادر حينها، لنجا من السجن والمحاكمات وإعادة المحاكمة والإذلال. ألم يحن الوقت لتظهر المحاكم المصرية والمصريون رأفة تجاه هذا الرجل المريض البالغ من العمر 87 عاماً؟

الرئيس السيسي قائد قوي ورحيم أصدر عفواً عن المئات من السجناء المدانين. لا شك في أن المناخ لم يكن مؤاتياً للعفو عن الرئيس السابق، بسبب اتجاهات الرأي العام بعد الثورة، لكن الوقت كان كفيلاً بشفاء القلوب، ويحدوني الأمل بأن يتدخل السيسي للعفو عن حسني مبارك.

تحقيقاً لقول النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي رواه البخاري: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". هذه الجملة وحدها كافية كي يعيد المسلمون ذوو القلوب المتحجّرة، النظر في قناعاتهم

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم