السبت، 05 ديسمبر 2020

أردوغان لا يستحق أن تفرش له السعودية السجاد الأحمر

بقلم خلف أحمد الحبتور

© Shutterstock

من المقرر أن يبدأ الرئيس التركي رجب طيب #أردوغان يوم السبت، زيارة إلى السعودية تستمر أربعة أيام لإجراء مباحثات مع الملك سلمان الذي تسلّم العرش مؤخراً إبان وفاة الملك عبدالله. وقد كثرت التكهنات الإعلامية التي أشارت إلى احتمال حدوث تحوّل في السياسة الخارجية السعودية، لا سيما في ما يتعلق بجماعة "الإخوان المسلمين" التي تصنّفها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في خانة المنظمات الإرهابية.

بيد أن الملك الجديد تعهّد مواصلة العمل بالسياسات القائمة والاستمرار على النهج الذي كان الملك الراحل يعتمده في التعامل مع مصر وشعبها. وقد جدّد العاهل السعودي، في اتصال هاتفي مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في التاسع من فبراير الجاري، التأكيد على الروابط الوثيقة التي تجمع بين بلاده ومصر، كما أنه طمأن الرئيس المصري إلى أن الموقف السعودي من الدولة العربية التي تضم العدد الأكبر من السكان هو من "الثوابت التي لا تتبدّل" وذلك انطلاقاً من الروابط الاستراتيجية و"المستقبل المشترك". اللافت هو أن زيارة #أردوغان إلى السعودية تتزامن مع زيارة السيسي إلى المملكة التي يصل إليها الرئيس المصري يوم الأحد بهدف تعزيز العلاقات المصرية-السعودية.

إنه لأمر مستغرب أن يتوقّع #أردوغان، الذي يوجّه انتقادات لاذعة للحكومة المصرية ويدافع بشدّة عن "الإخوان المسلمين" الذين يستضيفهم أيضاً على الأراضي التركية، استقباله بحفاوة في الرياض، لا سيما بالتزامن مع وجود خصمه المصري اللدود في العاصمة السعودية. فقد أتاح هذا السلطوي المتشدّق في الكلام للقنوات التلفزيونية التابعة للإخوان بأن تبث بروباغندا مناهضة للمصريين انطلاقاً من الأراضي التركية، كما أنه شنّ هجمات كلامية على الرئيس المصري غير عابئ بأن نسب التأييد للسيسي هي من الأعلى على الإطلاق. وما يغذّي الشكوك هو أن وزير الخارجية السعودي سعود بن فيصل قال مؤخراً في مقابلة مع أحد الصحافيين السعوديين إنه ليست لدى الرياض "أية مشكلة مع الإخوان المسلمين؛ مشكلتنا هي مع مجموعة صغيرة مرتبطة بالتنظيم".

يوم الاثنين الماضي، أوردت صحيفة "السبيل" الأردنية أن السعودية ستستضيف "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" خلال المؤتمر الإسلامي. يُعرَف عن الاتحاد أنه يقيم روابط وثيقة مع الإخوان، ويرأسه يوسف القرضاوي الذي يدعو إلى الجهاد ضد السلطات المصرية وهو الآن فار من العدالة بعدما أصدر الإنتربول مذكرة توقيف بحقه. علاوةً على ذلك، بدأ قياديو الإخوان يتبجّحون علناً بأن الرمال تتحرّك وتتبدّل لمصلحتهم.

بصراحة، أنا قلق جداً من كل هذه التطورات التي من شأنها أن تُقحم مصر والإمارات العربية المتحدة اللتين تعتبران أن جماعة "الإخوان المسلمين" هي المظلة العقائدية للعديد من التنظيمات الإرهابية، في موقف صعب. إنها مسألة ولاء. فالسعودية دولة شقيقة، ومن غير المقبول أن تُعامِل أعداء الدول الصديقة لها معاملة الأصدقاء. جل ما أتمنّاه هو أن أكون مخطئاً في مخاوفي هذه، وإلا ستتعمّق التصدعات في العالم العربي الذي يرزح تحت وطأة التهديدات من عملاء إيران وبرابرة "الدولة الإسلامية" والجماعات التابعة لتنظيم "القاعدة"، في حين أن الأوضاع تُحتِّم على الدول السنّية أن ترصّ صفوفها.

أتفهّم حاجة الدول إلى الانخراط في حوار مع الأطراف الأخرى ذات الآراء المناقضة، لكن سلوك #أردوغان غير مقبول على الإطلاق، ليس فقط في ما يختص بموقفه من القاهرة إنما أيضاً في احتضانه على ما يبدو لمقاتلي "الدولة الإسلامية" الذين يستخدمون الأراضي التركية للعبور إلى سوريا وشراء الإمدادات بما في ذلك البزّات العسكرية - كما أنهم يُعالَجون في المستشفيات التركية "بدافع الرحمة". فضلاً عن ذلك رفضت أنقرة السماح للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا، باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية وأغلقت مجالها الجوي أمام مقاتلات التحالف. وردَ في مقال بقلم أكي بريتز، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي أيه) المتخصص في شؤون مكافحة الإرهاب، تحت عنوان "الدولة الإسلامية تملك خلايا نائمة في مختلف أنحاء تركيا. هل يأبه #أردوغان؟"، أن الأكراد الذين يدافعون عن بلدة كوباني السورية على مقربة من الحدود التركية "يزعمون أن تنظيم داعش يستهدفهم انطلاقاً من أهراءات للحبوب في الجانب التركي... حتى إن مقاتلاً سابقاً في تنظيم داعش روى أن الجيش التركي سهّل عبوره إلى سوريا من أجل ضرب الأكراد، ‘العدو’ الآخر لأنقرة".

في حال كان بريتز محقاً، يجب أن يُعامَل #أردوغان معاملة المنبوذين بدلاً من أن يلقى معاملة الضيوف المكرَّمين إلى أن يكفّر عن ذنوبه عبر دعم التحالف الذي يخوض مواجهة ضد "الدولة الإسلامية"، ويعلن على الملأ أنه لم يعد يدعم "الإخوان المسلمين"، ويدين أي تدخّل خارجي يهدّد أمن مصر واستقرارها. الاختبار الأكبر هو إذا كان سيبدي استعداداً أم لا لمصافحة الرئيس السيسي في حال التقيا وجهاً لوجه في الرياض. لكن إذا شعر الرئيس المصري بأن كميناً نُصِب له كي يقدّم تنازلات للإخوان، قد يسود تشنّجٌ في الأجواء.

في حين أنني أرحّب في المبدأ بالخطوات الهادفة إلى تعزيز العلاقات العربية مع تركيا وشعبها بما يتيح لأنقرة الاضطلاع بدورها المهم باعتبارها من البلدان المسلمة الأكثر نفوذاً، إلا أن رأب الجسور مع شخص متفلّت من الضوابط وغير قابل للتوقع مثل #أردوغان الذي لا يمكن الوثوق به، يجب أن يترافق مع شروط صارمة وأن يتم بطريقة مدروسة ومتروية وليس بين ليلة وضحاها.

لا يزال الغموض يُحيط بالأسباب التي دفعت السعودية إلى الرضوخ على ما يبدو للمحاولات التي يبذلها الرئيس التركي من أجل استمالتها إلى صفه. لكنني أحض المسؤولين السعوديين بقوة على أن يحرصوا على انتزاع توضيحات منه حول مواقفه قبل زيارته إلى المملكة أو خلال الزيارة، وأن يطلبوا منه العودة عن موقفه السلبي تجاه القاهرة التي تخوض مواجهة مع مجموعات تعهدت بالولاء لتنظيم "الدولة الإسلامية" في شبه جزيرة سيناء وللمجموعة التابعة لها التي تتخذ من بلدة درنة الليبية مقراً لها وتحاول التسلّل عبر الحدود المصرية الطويلة وغير المضبوطة جيداً مع الجارة الغربية.

عسى ألا تكون هذه التطورات مؤشراً عن رضوخ السعودية للضغوط من البيت الأبيض الذي أبرم مؤخراً اتفاقاً مع #أردوغان لتسليح مقاتلي المعارضة السورية وتدريبهم وتجهيزهم. هل يُعقَل أن زيارة #أردوغان إلى السعودية هي نوع من المقايضة التي فرضتها واشنطن؟ علاوةً على ذلك، تدعم الولايات المتحدة عملياً "الإخوان المسلمين" منذ إطاحة محمد مرسي فيما تضع العوائق أمام عملية الانتقال المصرية نحو الاستقرار.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية استضافت وفداً من قياديي الإخوان في نهاية شهر يناير الفائت، ويوم الثلاثاء الماضي، استقبل الرئيس أوباما أمير قطر الذي كان قد زار للتو السعودية للقاء الملك سلمان، وقد أثنى الرئيس الأمريكي على قطر "لأنها حليف قوي في تحالفنا من أجل إضعاف تنظيم داعش وهزمه في نهاية المطاف". وقد عانى التقارب الوليد بين قطر ومصر من انتكاسة عندما استدعت الدوحة سفيرها في القاهرة على خلفية خلافٍ في الآراء حول الهجمات الجوية الانتقامية التي شنّتها القوات المصرية على تنظيم "الدولة الإسلامية" في ليبيا رداً على قيامه بذبح 21 قبطياً مصرياً.


لست واثقاً، لكن ثمة قطبة مخفية، ولا يسعني سوى أن أتساءل إذا كان محرّك الدمى موجود في جادة 1600 بنسلفانيا أفينيو في واشنطن. لا أعرف ماذا يجري خلف الأبواب المغلقة، لكنني أنتهز هذه الفرصة لأحذّر القادة في مجلس التعاون الخليجي وأناشدهم رفض أي مخطط يهدف إلى إضعاف القاهرة لأنه إذا أُلقي بمصر تحت رحمة "الدولة الإسلامية"/"الإخوان المسلمين" - لا سيما في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى التقارب مع إيران - سوف نلقى جميعنا المصير نفسه في نهاية المطاف.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم