الثلاثاء، 20 أكتوبر 2020

مخطئ من يعتمد على الولايات المتحدة لتحقيق الأمن

بقلم خلف أحمد الحبتور

(من اليمين إلى اليسار) الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، الرئيس أوباما والشيخ صباح الأحمد الصباح، أمير دولة الكويت في كامب ديفيد.

للوهلة الأولى، يُخيَّل إلينا أن اجتماعات الرئيس #أوباما مع قادة دول #الخليج العربي، قد أتت بثمارها لناحية تعزيز الاحترام المتبادل والبناء عليها من أجل توثيق أواصر التعاون. لكن عند النظر خلف الخطاب الفارغ والتعهدات الكلامية - باستثناء التعهد بإنشاء نظام دفاع صاروخي مشترك والوعد بالتعجيل في تسليم الأسلحة الأمريكية - يتبيّن لنا أن قمة كامب ديفيد الأخيرة لم تحقّق سوى القليل من المنافع الملموسة.

في الواقع، وصف عدد كبير من المعلّقين القمة بأنها بازار أسلحة تحت رعاية الولايات المتحدة، من شأنه أن يملأ خزائن مصنّعي الأسلحة الأمريكيين بمليارات الدولارات. ويُتوقَّع أن يساهم الاتفاق النووي بين مجموعة "خمسة زائد واحد" وإيران في إثراء طهران وتمكينها بمجرد رفع العقوبات الاقتصادية.

يقول #أوباما إن ثروة #إيران الجديدة سوف تُستخدَم لتحسين حياة الناس بدلاً من أن ينتهي بها الأمر في حيازة "#حزب_الله" أو الحوثيين #الشيعة في #اليمن أو سواهم من مثيري المشاكل والإضطرابات الذين يتحرّكون تحت الجناح الإيراني. آسف لقول ذلك، لكن هذا الكلام ينم عن سذاجة في أفضل الأحوال، وخداع في أسوأها.

بحسب تحقيق أجرته صحيفة "الدايلي تلغراف"، يسيطر المرشد الأعلى الإيراني على "أمبراطورية مالية" تُقدَّر قيمتها بـ95 مليار دولار أمريكي، وهذا المبلغ يفوق حتى الثروة التي جمعها الشاه. يجب أن يكون هذا كافياً ليدرك #أوباما أنه ليست لدى #إيران أية نيّة بإعطاء الأولوية لاحتياجات شعبها وتفضيله على عملائها الذين يعيثون خراباً في المنطقة.
السؤال المطروح هو إذا كان يجدر بشعوب دول مجلس التعاون الخليجي أن يشعروا الآن بأنهم في مأمن من العدوان الإيراني بعدما وعد الرئيس الأمريكي بالتحرّك عسكرياً دفاعاً عنهم في حال الضرورة. بطبيعة الحال، الجواب عن هذا السؤال هو لدى #البيت_الأبيض، وليس لدى الدول المهدَّدة.

في غياب معاهدة أمنية محكمة وموثّقة، وعلى ضوء سجل تردّد #أوباما المعهود في إنهاء النزاعات الإقليمية أو القضاء على الإرهاب، لا أظن أن الولايات المتحدة ستتحرّك عسكرياً دفاعاً عن المواطنين الخليجيين. هل نصدّق فعلاً أن الولايات المتحدة ستعلن الحرب على #إيران في حال تعرّضنا للتهديد؟

لقد قال #أوباما كلاماً مغايراً لصحيفة "#نيويورك_تايمز" عندما اعتبر أن المخاطر الداخلية التي تُهدّد دول #الخليج "أكبر من الخطر الإيراني"، وكذلك حذّر ضيوفه في كامب ديفيد من مغبّة "تهميش" طهران. وحتى لو كانت تعهدات #أوباما صادقة، تنتهي فترة ولايته بعد 18 شهراً فقط، فماذا سيحصل عندئذٍ؟

في مختلف الأحوال، وفي حين أنه لا ضير على الإطلاق في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، لا يجدر بنا أبداً أن نعوِّل على الحماية الأمريكية أو الحماية من أية قوة عالمية أخرى. تُثبت أحداث #اليمن أننا قادرون على حماية أنفسنا وحلفائنا ومستعدّون لذلك، وعندما يبدأ العمل بالقوة العربية المشتركة المقترحة، سوف تتعزّز إمكاناتنا. لا نحتاج إلى أوصياء أو أسياد في العواصم الأجنبية. لدينا جيوش وقوات جوية قوية ومجهّزة كما يجب. لسنا عاجزين، أو قاصرين نلتمس الحماية، كما تروّج بعض وسائل الإعلام.

أناشد رؤساء الدول في مجلس التعاون الخليجي وضع مباحثات كامب ديفيد تحت المجهر للتأكّد مما إذا كانت تلك محاولة حقيقية من جانب #أوباما لتعزيز أواصر العلاقات أم مجرد ممارسة في العلاقات العامة من أجل حمل دول #الخليج على دعم اتفاق سيئ يكافئ #إيران على عدائها وتدخّلها في المنطقة ودعمها للإرهابيين.

في رأيي، الوثوق بإدارة #أوباما لكبح جماح #إيران خطأ فادح. فأوباما يسعى إلى الانخراط الأمريكي مع #إيران، حتى منذ ما قبل انتقاله إلى المكتب البيضاوي. ولهذه الغاية، أحاط نفسه بمسؤولين محابين لإيران، مثل نائب الرئيس جو بايدن، ووزير الخارجية جون كيري، ونائب وزير الخارجية بيل برنز، الذين يدعون منذ سنوات طويلة إلى تحقيق انفراج في العلاقات مع #إيران.

مستشارة #أوباما الشخصية وصديقة العائلة، فاليري جاريت، ترعرعت في #إيران، وتتكلّم اللغة الفارسية، كما أنها كانت لاعباً أساسياً إلى جانب بيل برنز في المحادثات الأمريكية-الإيرانية السرّية تمهيداً للمفاوضات الرسمية. والمسؤولة عن الشؤون الإيرانية في مجلس الأمن القومي الأمريكي، سحر نوروز زاده، موظّفة سابقة في المجلس الإيراني-الأمريكي الوطني، وهو عبارة عن منظمة لوبي موالية لإيران.

كان سلوك الرئيس الأمريكي حيال #إيران التي لطالما كانت العدو اللدود للولايات المتحدة، مشبوهاً منذ البداية. فقد هنّأ الإيرانيين في خطاب مصوّر لمناسبة عيد النوروز (رأس السنة)، ووجّه رسائل إلى المرشد الأعلى الإيراني. وهذا العام، احتفل #أوباما برأس السنة الفارسي في منزله مع زوجته ميشيل وابنتَيهما!

والغريب بالدرجة نفسها التزام #أوباما الصمت إزاء القمع الإيراني للاحتجاجات في شوارع #إيران إبان الانتخابات. لا نسمع منه كلاماً يدين فيه طهران على انتهاكات حقوق الإنسان وانعدام الحريات المدنية. لا بل كل ما نسمعه منه هو إدانة الدول العربية ذات الأكثرية السنّية بشأن هذه القضايا.

والأكثر غرابةً أنه في الوقت الذي يظهر فيه #أوباما في موقع الصديق المفضّل الجديد للأئمة، هاجم آية الله خامنئي قبل بضعة أيام الولايات المتحدة واصفاً إياها بأنها "الداعم الأكبر والمخطِّط الأساسي" للإرهاب، واتّهم واشنطن بالسعي خلف تحقيق مصالحها عبر التسبّب بزعزعة الاستقرار في المنطقة، معتبراً أن أمريكا هي عدو المسلمين #الشيعة والسنّة على السواء. وشدّد خامنئي غير المستعد على الإطلاق للالتزام بعدم التدخّل في الشؤون العربية، على أن بلاده ستستمر في دعم "المضطهدين في #اليمن والبحرين وفلسطين بكل الطرق الممكنة."

هل سنضع ثقتنا حقاً بالقائد الأعلى للقوات المسلحة في الولايات المتحدة عندما يدعي أنه يدعم الجيش السوري الحر في مواجهة النظام السوري الذي يتعاون مع #إيران و"#حزب_الله"، فيما تؤمّن قواته الجوية التغطية لـ"فيلق القدس" الإيراني والميليشيات الشيعية الموالية لإيران في محافظة الأنبار في العراق؟ هذه الميليشيات ذات الأيادي الملطّخة بالدماء - المعروفة رسمياً بـ"قوات الحشد الشعبي" - نشرها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ويديرها قائد "فيلق القدس" الإيراني، قاسم سليماني. الأسوأ هو أن #إيران تستعد لإرسال قوات برية ما إن تتلقّى الضوء الأخضر من الحكومة العراقية.

وماذا يقول #أوباما عن الخبر المثير للصدمة الذي كشفته صحيفة "التايمز" وسواها من الصحف ومفاده بأن الحكومة في بغداد ترفض استقبال عشرات الآلاف من اللاجئين السنّة اليائسين الفارين من مدينة الرمادي بعد سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" عليها من جديد؟ لم يصدر عنه أي تعليق على حدّ علمي! تُعامَل العائلات العراقية التي ليس لديها مكان تقصده أسوأ من معاملة الأعداء الأجانب، فتُمنَع من دخول العاصمة إلا إذا كان لديها "كفيل" محلي. نحن أمام مخطّط يهدف إلى خفض أعداد السكان السنّة عبر الإلقاء بهم في أتون النزاع كي يلقوا مصرعهم؛ ليس هناك من تفسير آخر.

في الواقع، تتعرّض البلدات السعودية عند الحدود الشمالية لليمن، لتهديد مباشر من الحوثيين الذين يخضعون للسيطرة الإيرانية، في حين تشكّل #إيران تهديداً خطيراً لدول #الخليج. هل تنوي إدارة #أوباما الانتظار حتى يخرج الحصان عن السيطرة، قبل أن تبادر إلى التحرّك؟ تتبلور المؤامرة الإيرانية للهيمنة على المنطقة أمام أنظارنا. نحن مطوَّقون من كل الجهات. ومع ذلك، يطلب منا الرئيس الأمريكي أن نتعامل برفق مع المتآمرين.

إن النقطة الأساسية هي أن مطالبنا لم تتحقّق. فالمجتمعون لم يتطرّقوا إلى تعهّد #أوباما التدخّل في سوريا لوقف جنون القتل الذي يمارسه النظام، ولا إلى معاهدة دفاعية مشتركة شبيهة بالمعاهدات التي وقّعتها الولايات المتحدة مع إسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية. علاوةً على ذلك، رفض #أوباما الطلب السعودي بشراء مقاتلات "جوينت سترايك فايتر إف-35" المتطوّرة، لأنه يريد أن يُبقي على التفوق العسكري النوعي الذي تتمتع به إسرائيل في مقابل الدول المجاورة.

وبالتأكيد لم نحصل على ما نريد. الأهم هو أن أي اتفاق نهائي مع #إيران يجب أن يتم التفاوض عليه بمشاركة الدول الخليجية وأن يشارك قادتنا في التوقيع عليه. ويجب ألا يقتصر هذا الاتفاق على المسائل النووية، بل يجب أن يكون مشروطاً بالتزام طهران بعدم التدخّل في شؤون البلدان العربية، لا سيما سوريا ولبنان والعراق واليمن والبحرين، سواءً بصورة مباشرة (كما في حالة العراق وسوريا) أو عن طريق ميليشياتها (في #لبنان واليمن).

لا يجدر بنا أن نثق بأي بلد آخر ما عدا بلداننا. وعلينا ألا ننتظر التعليمات من #البيت_الأبيض حول ما ينبغي علينا فعله لتحقيق مصالحنا، فمن المعلوم جيداً أن الولايات المتحدة لا تُقدِّم صداقتها من دون شروط. وعلينا أن نواصل تنفيذ مهمتنا لتحرير #اليمن من الرعاع الحوثيين، ونتابع جهودنا من أجل القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية"، ونقدّم كل الدعم اللازم لفصائل المعارضة السورية التي تقاتل من أجل دولة ديمقراطية جامعة - خلافاً للمجموعات الإرهابية التي تسعى إلى العودة بسوريا إلى العصور الوسطى.

أخيراً، علينا أن نصرّ على الشروط الصارمة المشار اليها أعلاه. وإذا لم تُدوَّن تلك الشروط كتابةً، على مجلس التعاون الخليجي أن يعمل على إضعاف النظام الإيراني بصورة نهائية، بدءاً من تقديم الدعم المادي للمواطنين الأحواز العرب المضطهدين في عربستان المحتلّة من #إيران - التي أطلقت عليها هذه الأخيرة اسم خوزستان، والتي تؤمّن لإيران الجزء الأكبر من احتياجاتها من النفط والغاز.

أخشى أن قمة كامب ديفيد كانت مجرد مناورة مخادِعة ومدبَّرة في توقيتها، وأن السخاء الأمريكي في موضوع التسليح ليس أكثر من مجرد مهدىء للتخفيف من مرارة الواقع. أنا على يقين من أن قادتنا يدركون ما يجري، وعلى الرغم من كل المجاملات واللياقات الدبلوماسية، سيحافظون على استراتيجيات مستقلة لدرء المخاطر التي تهدّد وجودنا. لا يمكننا أن نغامر بمستقبلنا بالاستناد إلى الكلام الصادر عن أحدهم، حتى لو كان ذلك الشخص رئيس الولايات المتحدة.

أُحرِقَت منطقتنا مرات كثيرة من قبل. إذا كان الماضي مؤشراً جيداً عن المستقبل، علينا أن ندرك أنه يجدر بنا أن نصبح في نهاية المطاف أسياد مصيرنا، وهو أغلى من أن نضعه في أيدي أصدقاء مزاجيين يتخلّون عنا في أوقات الشدّة.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم