الخميس، 23 سبتمبر 2021

المخطط الإيراني يتقدم والعالم العربي في غفلة

بقلم خلف أحمد الحبتور

APimage

صحيح أنه ليس بإمكان القوى الغربية أن تدّعي أنها صاحبة أيادٍ بيضاء في الرق الأوسط، إلا أن هذا ينطبق أيضاً عى العرب. فلطالما تهرّب معظم القادة العرب من مسؤوليتهم بالدفاع عن شعبهم، وتطلّعوا طوال عقود إلى "بابا أمريكا" وحلفائها للحصول عى الحماية، وهم يعرفون حق المعرفة أن كل ما تسعى إليه السياسة الخارجية الأمريكية هو تحقيق مصالحها الأمنية والجيوسياسية الخاصة.

خلال زيارتي الأخرة إلى الولايات المتحدة للانض ام إلى الرئيس جيمي كارتر في الإع ان عن مبادرة جديدة من أجل الس ام بن الإسرائيلين والفسطينيين في جامعة إيلينوي، كانت لي فرصة لقاء أصدقاء قدامى فض اً عن بعض المسؤولين الرفيعي المستوى. أنا من أشدّ المعجبن بالشعب الأمريي. وقد لقيت معاملة بغاية اللطف من عدد كبر من الأمريكين. بيد أن السياسة الخارجية الأمريكية مسألة مختلفة تماماً؛ فهي لا تعرف صديقاً، ولا تكرث سوى لمصالحها. وقد قالها رئيس وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) ووزير الدفاع سابقاً، ليون بانيتا، بوضوح في(Fights Worthy) " كتابه "معارك تستحق العناء لستُ أعرض عى ذلك؛ لكن حان الوقت كي نقرأ نحن العرب في الكتاب الأمريكي.

فضاً عن ذلك، حتى لو كانت الولايات المتحدة ملتزمة بدعمنا والدفاع عنا، لم تحقّق مقاربتها النتائج المرجوّة. لقد كتب السفير تشارلز دبليو فريمان: "نحاول (أي الولايات المتحدة)التأقلم مع النتائج التراكمية للإخفاقات المتعددة. تقريباً كل المشاريع الأمريكية في الرق الأوسط منيت بالفشل". يشر فريمان عن حق إلى أن "السياسات الأمريكية لم تنتج ديمقراطية في أي مكان. بل تسبّبت بزعزعة استقرار المجتمعات، وإشعال الحروب الدينية، وإرساء أنظمة ديكتاتورية تزدري حقوق الأقليات الدينية والإثنية".

الدينية والإثنية". تكون واشنطن صديقة جيدة عندما تلتقي مصالحها مع مصالحنا أو عندما تكون الموارد الطبيعية التي تسعى للسيطرة عليها مهدّدة. لقد تحوّل إلقاء اللوم عى الغرب لتسبُّبِه بصورة مباشرة أو غر مباشرة في مصائبنا، ذهنية عقيمة منترة في مختلف أنحاء العالم العربي. نحن مخطئون في إلقاء اللوم عى الولايات المتحدة لأنها تردّدت في التحرّك لمساعدتنا. لدى أمريكا أولوياتها الاقتصادية والأمنية. علينا احرام ذلك الواقع، وتقدير كل الأشياء الجيدة التي وصلتنا من الغرب والامتناع عن إدانة أي بلد يسعى إلى تحقيق مصالحه. من الأجدى بنا نحن العرب، حكومات وشعوباً، أن نمي وقتاً أقل في التهجّم عى أمريكا ونركّز أكر عى استنباط السبل الفضى للاعت ادعى أنفسنا.

السبل الفضى للاعت اد عى أنفسنا. لطالما ناشدتُ الحكومات العربية في مقالاتي اتخاذ خطوات استباقية من أجل وضع حد للنزاعات الإقليمية وإثبات حضورنا أكر عى الساحة الدبلوماسية. نحن نملك جيوشاً مدرّبة ك ا يجب، وأجهزة استخباراتية تتمتّع بالكفاءات اللازمة، وأسلحة متطوّرة؛ المطلوب هو التحيّ بما يكفي من الإرادة والتصميم لتغير ذهنية الضحية التي ورثناها من الحقبة العثمانية والإمبريالية الغربية والمعاهدات الأمنية مع القوى الأوروبية. لماذا لا يعي العرب أن تلك الأزمنة قد ولّت، وأنه علينا الآن أن نتدبّر أمورنا بأنفسنا؟

انطلاقاً من تعليقات القرّاء الذي أبدوا آراءهم حول هذا الموضوع، والتقوا معي في وجهة نظري. فقد ورد في تعليق أحد القراء عى مقالي المنشور مؤخراً عر موقع "العربية" بعنوان: "عى قادة العالم أن يعلّقوا رؤوسهم خج اً": "توقّفوا عن الراخ إلى الولايات المتحدة كي تنقذكم؛ توقفوا عن الراخ بأن الولايات المتحدة هي المسؤولة... أنقذوا أنفسكم". وجاء في تعليق آخر: "لماذا لا يرسل العرب... جيوشهم للتخلّص من الأسد وداعش؟" هناك تعليقات عدة مشابهة، منها بعض التعليقات غر الصالحة للنر. إنه لأمر غريب أن القرّاء يدركون ذلك، في حن أن العرب لا يدركونه أو لا يستطيعون إدراكه، أو لا يريدون ذلك.

لمملكة المتحدة الدفاع عن منطقتنا، وعى ضوء النزاعات الإقليمية والإرهاب والتهديد المتنامي من إيران التي تتباهى علناً بأن عملاءها يسيطرون الآن عى أربع عواصم عربية - بروت ودمشق وبغداد وصنعاء - ليست المحاججة التي أعرضها محض أكاديمية. يتربّص بنا الأعداء في الداخل والخارج ويخطّطون لاجتياح أوطاننا. يتوجّب علينا حماية حدودنا. لا يمكننا أن نجلس مكتوفي الأيدي معوّلن عى وعود فارغة من القادة الغربين الذين يحاولون الآن الدخول في صفقة كرى مع الأئمة الإيرانين.

ودول مجلس التعاون الخليجي عى وجه التحديد شديدة التأثر إزاء الهيمنة الإيرانية والأيديولوجيات المريضة التي تشوّه رسالة الإس ام الحقيقية. لذلك ناشدت مراراً وتكراراً الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي المبادرة سريعاً إلى التحرك، ولم أكفّ عن توجيه هذا النداء ليس فقط عر مقالاتي إنما أيضاً خ ال النقاشات التي أجريتها وجهاً لوجه مع مسؤولين كبار. هل ما زلنا نتخيّل أن العم سام سيرسل س اح الفرسان؟ في هذه الحالة، علينا أن نفكّر ملياً ونعيد النظر في تصوّراتنا.

بالنفط منفعتها من وجهة نظر صنّاع السياسات الأمريكين. قرار الرئيس أوباما تحويل السياسة الخارجية بعيداً من الرق الأوسط أمر معلوم جيداً، وخر دليل عى ذلك تردّده في إطاحة نظام الأسد وخطواته الرمزية المحدودة للقضاء عى "داعش" في سوريا والعراق. ومن أسباب هذا الابتعاد عن الرق الأوسط أن الولايات المتحدة باتت تتمتع بالاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، لا بل أكر من ذلك، باتت تملك فائضاً. لقد تخطى الإنتاج الأمريي من النفط الصخري الإنتاج السعودي والروسي من النفط الخام. وأصبحت الولايات المتحدة اليوم المنتجة الأولى للغاز في العالم، ومن المتوقّع أن تحتل المرتبة الأولى أيضاً في إنتاج النفط العام المقبل.

يتضاءل تعطّش الغرب إلى النفط العربي ويترافق مع تراجع تأثيرنا العالمي. بيد أن استخراج النفط الصخري مرتفع الكلفة، لذلك عمد العديد من البلدان العربية المصدِّرة للنفط إلى خفض لبلدان العربية المصدِّرة للنفط إلى خفض الأسعار أم اً في التمسّك بأوراق المساومة المتبقّية.

يذكّر السفير فريمان واشنطن عن حق بأنه عى الرغم من أن إنتاج النفط والغاز يشهد طفرة في الولايات المتحدة، يجب أن تستمر هذه الأخرة في إي اء أهمية لما يجري في الرق الأوسط، لأن الخليج هو "المنطقة حيث يتم تحديد أسعار النفط العالمية"، ك ا يقول، قبل أن يضيف: "في غياب الاستقرار في غرب آسيا، لن يكون الاقتصاد العالمي مستقراً أيضاً".

أن يدير الغرب ظهره لحلفائه التقليدين ينمّ ربما عن قر نظر، لكن لم يعد بإمكاننا أن ندفن رؤوسنا في الرمال مثل النعامة وندّعي أن واشنطن ولندن وباريس تكرث لأمان شعوبنا أو تعمل عى ترسيخ الأمن والاستقرار في مجتمعاتنا. لقد فشلت الجهود التي تبذلها تلك البلدان من أجل تعزيز الديمقراطية، بعدما أمسكت الأحزاب الإس امية بزمام السلطة، وفتح التعصّب المذهبي أبواب الجحيم، وانتهز الإرهابيون الفرصة للانقضاض علينا. والآن بعدما خر نفطنا بريقه وسط أنهر النفط التي تفجّرت في تلك البلدان، الرسالة الأساسية التي توجّهها إلينا العواصم الغربية هي التالية: "شكراً جزي اً، لقد تشرّفنا بمعرفتكم". لن أفاجأ إذا استيقظت ذات يوم لأجد أن المرشد الأعى الإيراني قد فُرِض حاك اً علينا، تماماً ك ا نُصِّب الشاه حاك اً إلى أن فقدَ حظوته .

لم أعد أبالي بالوعود الغربية. ما يهمّني هو معرفة ما الذي سيتم فعله عندما يتحوّل تنظيم "داعش" نحو مهاجمة السنّة. ما الخطوات التي سنتّخذها لإحباط سيطرة الحوثين الشيعة عى اليمن ووصولهم إلى أبواب السعودية وعُ ان؟ حتّامَ سنستمر في إط اق يد نظام الأسد لمواصلة حكمه السرطاني الذي كان يمكن، قبل بضع سنوات، شفاؤه بواسطة جرعة من الع اج الكيميائي قبل أن يتفىّ في الجسم؟

ما مضى قد مضى. يمكننا أن نوزّع اللوم والمسؤوليات إلى ما لا نهاية. ويمكننا أن نرفع هواجسنا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أيضاً من دون الحصول عى أية نتيجة. وحده المسار الذي سنسلكه في المستقبل يمكن تغيره. يمكننا أن نصنع الغد بأنفسنا، وعلينا أن نفعل ذلك، وإلا سنترك لأولادنا وأحفادنا إرثاً من العار ولن ترحمنا دموعهم.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم