السبت، 05 ديسمبر 2020

السياسة الواقعية يمكن أن تخفّف معاناة الفلسطينيين

بقلم خلف أحمد الحبتور

Shutterstock ©
Shutterstock © :امرأة مجهولة الهوية تواجه جنود اسرائليين في تظاهرة ضد حائط العزل الاسرائيلي في 13 نوفمبر 2010 في الضفة الغربية في فلسطين.

القضية الفلسطينية هي الأعزّ على قلبي، ويحزنني كثيراً أن المجتمع الدولي لا يحرّك ساكناً من أجل العمل على إقامة دولة فلسطينية. في السبعينيات، شكّلتُ مع أصدقاء إماراتيين جمعيات تلتزم دعم حق الشعب الفلسطيني بالعودة بموجب القانون الدولي، وبعد أربعين عاماً، يبدو هذا الحق أبعد منالاً بكثير. لسوء الحظ، فكرة الدولة الفلسطينية على وشك أن تتحوّل وهماً أسطورياً وتوضَع على الرف إذا لم نبادر إلى الاستفادة من الفتحة الصغيرة في النافذة التي تنغلق بسرعة.

السبب الأساسي في الحالة المأسوية التي وصلت إليها الأمور هو عدم استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات، وتوسيعها المستمر للمستوطنات، وسرقتها للأراضي الفلسطينية في القدس الشرقية والضفة الغربية. والمجتمع الدولي مذنب أيضاً لأنه لا يتحرّك.

تؤكّد معظم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما في ذلك الولايات المتحدة، دعمها لإقامة دولة فلسطينية، إلا أنها تمتنع عن ممارسة ضغوط على الحكومة الإسرائيلية. لكنني لست في صدد توزيع اللوم، فالملامة لا توصلنا إلى أي مكان. لكل طرف مشاغله ومعاناته ومظالمه التي يتمسّك بها.
إذاً لنضع الحديث عن الصواب والخطأ جانباً، ولنتحلَّ بالواقعية.

ثمة نقطة يجب أن يجمع عليها كل من يملك ذرّة من التعاطف. حُكِم على الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أم في غزة أم في الشتات، أن يعيشوا حياة لا يتمنّاها معظمنا لأسوأ أعدائهم. لا تستطيع الحكومات العربية فعل الكثير لمساعدة الفلسطينيين الذين يناضلون في ظل الاحتلال، فالأمر ليس في أيديها. لكن ليس هناك ما يمنعها من تحسين ظروف عيش اللاجئين الفلسطينيين الذين يكتظّون في مخيّمات بائسة داخل حدودها.

من يزور تلك المخيّمات في لبنان وبلدان عربية أخرى يختبر تجربة مؤلمة ومؤثّرة جداً لا أنصح بها لضعفاء القلوب. لا يسعني أنا العربي سوى أن أشعر بالعار لأنهم تُرِكوا ليعيشوا في هذا البؤس والإذلال. ففي معظم البلدان التي تستضيفهم، حُكِم عليهم أن يعيشوا من دون جنسية ولا عمل. وفي حالات كثيرة، يُحرَمون من حقّ تملّك الأراضي أو تأسيس عملهم الخاص، ويقبلون صاغرين بتعليم دون المستوى لأولادهم وخدمات صحية رديئة. لماذا؟

أليسوا بشراً بأجساد وعقول وأرواح تحتاج إلى التغذية؟ لم يرتكبوا أي خطأ. إنهم ضحايا أبرياء. معظمهم ولدوا داخل مدن الصفائح المزرية. يأتي الأطفال الفلسطينيون إلى هذه الدنيا وسط غصّة لدى الأهل لأنهم يعلمون أن مستقبل أبنائهم قاتم. عندما أرى السعادة في عيون أحفادي، يتملّكني حزن شديد إزاء ما يشعر به أولئك الآباء والأمّهات.

كفانا التعامي عن آلامهم! كفانا استغلالاً لأولئك المساكين من أجل تحقيق مآرب سياسية! يقع على عاتق كل الدول العربية الموافقة على استراتيجية معيّنة وحشد مواردها من أجل تطبيقها.

يجب أن يحصل كل لاجئ فلسطيني على منزل في بلد عربي من اختياره. وعندما يستقرّون في منازل، يجب أن يتمتّعوا بحقوق متساوية مع بقيّة المواطنين. يجب أن يحصلوا على تعليم وتدريب من الطراز الأول كي يتمكّنوا من اكتساب المهارات الضرورية التي تعود بالفائدة على عائلاتهم وعلى أوطانهم الجديدة. لكن هذا لا يلغي أبداً واقع أن فلسطين ستبقى دائماً وطنهم الأم.

فضلاً عن ذلك، يجب اعتماد مقاربة أقل أيديولوجية في التعامل مع إسرائيل، وهذا أيضاً من أجل مصلحة الفلسطينيين الذين تحاصرهم الجدران وحواجز التفتيش. شئنا أم أبينا، من الواضح أن إسرائيل المسلّحة نووياً تحت رعاية شقيقتها الكبرى، الولايات المتحدة، وُجِدت لتبقى. إذاً بدلاً من خوض معركة متواصلة للسيطرة على هذه الأرض المقدّسة التي يحبّها كل الأنبياء الإبراهيميون، على الإسرائيليين والعرب أن يجدوا طريقة للتعايش بطريقة سلمية.

يجب أن نتجاهل من لا يأبهون للشعب الفلسطيني، إنما يستغلّون قضيتهم بلا رحمة تحقيقاً لمصالحهم الشخصية، سواء كانوا عرباً أم إيرانيين أم غربيين. يجب أن نحبّ فلسطين وندلّلها لا أن نعاملها مثل سلعة نتاجر بها أو نحوّلها أداة في العلاقات العامة لمنح مصداقية للكذبة والمناوِرين. حان الوقت للوقوف في وجه من يتلاعبون بمشاعرنا بلا هوادة.

ولنتخلّص أيضاً من بعض التوصيفات مثل "الشيطان الصغير" و"الدولة الصهيونية العدوّة" التي تهدف إلى التحريض وتحول دون جلوسنا إلى طاولة واحدة. في الحقيقة، لدينا أعداء أكثر خطورة بكثير من إسرائيل يتنكّرون في صورة الأصدقاء. فالإهانة والتجريح يساهمان في إذكاء نيران العداوة. لقد آن الأوان للشروع في المفاوضات مع إسرائيل بنية طيّبة، مع أن يداً واحدة لا تصفّق.

ربما بدت الخطّة ألف التي تجسّدت في اتفاقات كمب ديفيد، جيّدة عند توقيعها، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في الممارسة. حان الوقت لنقرّ بذلك وننتقل إلى الخطة باء التي يجب أن تستند في رأيي إلى المبادئ الآتية:

 

  • لقد ثبت مراراً وتكراراً عقم المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية بوساطة أمريكية. أقترح تشكيل لجنة مؤلّفة من فلسطينيين مرموقين وممثّلين عن دول مجلس التعاون الخليجي، ومنحها صلاحية التفاوض مباشرةً مع الحكومة الإسرائيلية من دون وجود أي أطراف ثالثة.
  • يجب ألا يفرض أي من الجانبَين شروطاً مسبقة للشروع في المحادثات، مع استثناء وحيد: يجب أن يتوقّف توسيع المستوطنات الإسرائيلية قبل أن يؤدّي إلى القضاء على أي إمكانية لقيام دولتين تعيشان جنباً إلى جنب لأن الفلسطينيين لن يقبلوا أبداً بدولة بحجم طابع بريدي من دون سيادة على حدودها ولا شواطئها ولا مجالها الجوي.

إذا فشلت كل المقاربات أو لم تعد إقامة دولة فلسطينية مستقلّة خياراً عملياً على ضوء الوقائع على الأرض، يجب أن يُتاح للفلسطينيين إما السعي إلى تطبيق "حل الدولة الواحدة" وإما إنشاء منطقة تتمتّع باستقلال ذاتي داخل اتحاد فدرالي إسرائيلي-فلسطيني.

على العرب أن يباركوا كل الاحتمالات التي يمكن أن تعود بنتائج ناجحة للفلسطينيين، وكل ما يمنحهم حياة كريمة، وظروف العيش التي يعتبرها معظمنا من المسلّمات. وعلى الإسرائيليين أيضاً أن يفهموا أنهم إذا أرادوا أن ينعموا بالأمان، فعليهم أن يقلعوا عن بناء الجدران الشاهقة العازلة وعن استخدام القوة العسكرية، ويمدّوا غصن زيتون للشعب الفلسطيني وجيرانه العرب.

في نهاية المطاف، ينبغي على كل الأطراف التي هي في قلب النزاع أو عند أطرافه أن تتّخذ قرارها: هل هم مستعدّون لترك العنف والمعاناة يتواصلان إلى ما لا نهاية عبر نبش الماضي وتراشق الاتهامات أم أنهم منفتحون على أفكار وحلول جديدة ومبتكرة؟ الخيار بسيط. حب الحياة أو احتفاء مرَضي بالموت. بالنسبة إلى من يأبهون مثلي لمعاناة الشعوب، الخيار محسو

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم