الأحد، 29 نوفمبر 2020

هل السنّة ضحايا «لعبة كبرى» جديدة؟

بقلم خلف أحمد الحبتور

Al Habtoor Group ©

كيف تشعر إذا علمت أن هناك قنبلة موقوتة في حيّك في حين أنك رفضت منذ البداية الإصغاء إلى توجّساتك؟ هذا هو بالضبط الوضع الذي أجد نفسي فيه هذه الأيام. القنبلة الموقوتة هي العداء الإيراني وتدخّل إيران في البلدان العربية وجبروتها العسكري المتنامي. إنه تهديد خطير، وإذا لم نأخذه على محمل الجد، فسوف نستيقظ ذات يوم لنجد أن الحرس الثوري وصل إلى شواطئنا.

قبل بضعة أيام، قرأت مقالاً عربياً بقلم مشاري الذايدي في صحيفة “الشرق الأوسط” بعنوان “طَرْقات على الباب الفارسي”، وما ورد فيه يعزّز مخاوفي.

يذكر الكاتب آراء العميل الميداني السابق في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه)، روبرت بير، الذي وضع كتاباً بعنوان “الشيطان الذي نعرفه”، والذي يزعم أن أمريكا مخطئة بمحضها ثقتها للأنظمة السنّية الضعيفة.

فهو يعتبر أن إيران الأكثر قوّة واستقراراً هي رهان أفضل. وينصح بير الولايات المتحدة بدعوة إيران إلى طاولة السلام من دون شروط مسبقة.

ويتطرّق الذايدي أيضاً إلى آراء ولي نصر، وهو محلّل أمريكي لشؤون الشرق الأوسط من أصل إيراني ومؤلّف كتاب “صحوة الشيعة”. كتب نصر “لقد رحّب الشيعة سواء بانهيار الهيمنة السنّية أم بارتفاع احتمالات التغيير السياسي.

وهذا ما جعلهم من حيث المبدأ أكثر استعداداً للعمل مع الولايات المتحدة. إن جرعة أكبر من الديمقراطية تخدم ولا شك مصالح الشيعة في المنطقة، ومن هنا نجد الصحوة الشيعية ميّالة حُكماً إلى تزكية التحوّلات الديمقراطية”.

لكن هذا الكلام ليس صحيحاً في الوقت الذي أظهر فيه السنّة تعطّشهم للديمقراطية خلال الربيع العربي، وهم يضحّون بحياتهم في سبيل الحكم التعدّدي في سوريا.
يتوصّل عدد متزايد من مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية إلى خلاصات مماثلة لتلك التي استنتجها بير ونصر. لعل الرئيس محمود أحمدي نجاد يشتمّ رائحة الأجواء الأكثر دفئاً التي تهبّ فوق الأطلسي باتّجاهه، ولذلك لا عجب أنه يشعر بالثقة الكافية ليتبختر حول جزيرة أبو موسى التي تملكها الإمارات العربية المتحدة وتحتلّها إيران.

فما هي الأرض الإماراتية الجديدة التي يضع عينه عليها؟ إذا لم يستيقظ قادة دول مجلس التعاون الخليجي ويتنبّهوا للخطر، وهذا ما لا أنفكّ عن ترداده، فقد نعرف قريباً، ويا للأسف، الجواب.

 

 

 


تاريخياً، صدّق قادتنا العرب وعود القوى الغربية الواهية، ولم يقرأوا جيداً بين السطور. فقد تمكّن سايكس وبيكو من رسم خريطة الشرق الأوسط بجرّة قلم عام 1916، وبعد عام، وهب بلفور فلسطين بكل سرور، مع أنها لم تكن ملكه أصلاً كي يقدّمها هبة.

أما في ما يتعلّق بدول الخليج الغنية بالنفط، فقد اعتمدت تلك القوى الغربية استراتيجية أكثر تطوّراً في التعامل معها. لم تُحتَلّ بلداننا بالمعنى التقليدي للاحتلال، بل سيطرت عليها بريطانيا العظمى، ولاحقاً الولايات المتحدة.

قد تقولون، إنه تاريخ قديم. لكن من عادات التاريخ السيّئة أنه يعيد نفسه. يجب أن نرفض رفضاً قاطعاً التعامل معنا وكأننا بيادق تحرّكنا واشنطن وموسكو في لعبة شطرنج جيو-استراتيجية لا تنتهي فصولاً. يجب أن نُفهِمهم بوضوح شديد وبعبارات لا لبس فيها أننا لن نقبل تلقّي التعليمات، وعلينا أن نحشد إمكاناتنا الدفاعية المشتركة. نستطيع، من خلال الأهداف الموحّدة والجيوش الفاعلة، درء الخطر كي لا نُعامَل مثل لعبة يتقاذفها الآخرون من دون أن يكون لنا أيّ قدرة على تحديد مصيرنا.

قبل بضعة أسابيع، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إن الولايات المتحدة ملتزمة أمن دول الخليج، لكن الحقيقة هي أن أمريكا ملتزمة فقط تأمين مصالحها. تركّز سياسة واشنطن في الشرق الأوسط دائماً على الإبقاء على الهيمنة الإقليمية الأمريكية عبر استخدام أسلوب “فرّق تسد” الذي أثبت من قبل قدرته على تحقيق مآربه.

تتخيّل أمريكا نفسها محرِّكة دمى تتحكّم بالدول الزبائنية والمنصاعة لها. خلال رئاسة جورج دبليو بوش، عندما كانت روسيا التي اعتنقت الديمقراطية حديثاً تتردّد في عرض عضلاتها، كانت الولايات المتحدة مطلَقة اليد لاجتياح العراق وأفغانستان - وإنشاء قواعد عسكرية في مختلف أنحاء الخليج وبحر قزوين.

بيد أن روسيا مختلفة في الزمن المعاصر. يندم الرئيس فلاديمير بوتين على موقفه المهادن السابق، ويبدي تصميماً على التصدّي للطموحات الأمريكية في المنطقة عبر أخذ إيران وسوريا تحت الجناح الروسي. لقد أدّت روسيا دوراً مهماً في التطوير النووي الإيراني، وتستخدم الآن نفوذها لإبقاء نظام الأسد الهمجي في السلطة.

خلف الأكمّة ما خلفها في لعبة السيطرة على الشرق الأوسط والخليج. ظاهرياً، الحكومتان الأمريكية والإيرانية عدوّان لدودان، لكن قد تكون هذه مجرّد حيلة كما يورد الكاتب تريتا بارسي في كتابه “تحالف غادر”. ليس سرّاً أن بريطانيا وأمريكا كانتا وراء إطاحة الشاه وتنصيب آية الله الخميني. ومنذ ذلك الوقت، ينشط الملالي الإيرانيون في التعاون مع واشنطن للتخلّص من عدوّهما المشترك في أفغانستان، حركة طالبان، كما قدّموا الدعم لاجتياح العراق بقيادة الولايات المتحدة، وأصبح هذا البلد الآن تحت المظلة الإيرانية.

تعتبر إحدى المدارس الفكرية الموثوقة أن الأجندة الأمريكية تتمحور في المدى الطويل حول إغواء إيران بالانضمام إلى المعسكر الأمريكي انطلاقاً من الافتراض بأن الشيعة العرب الآخرين سوف يتبعونها. وهذه إحدى المسائل التي تختلف فيها الآراء بين الولايات المتحدة وإسرائيل التي ترى في إيران تهديداً لوجودها.

إذا نجحت الولايات المتحدة في استقطاب طهران إلى صفّها، فسوف تُقصى روسيا من المشهد ويُضمَن أمن إسرائيل. وهناك سابقة يُعوَّل عليها في هذا المجال.

في عهد جمال عبد الناصر، أدارت مصر ظهرها للغرب لصالح التقارب مع الاتحاد السوفياتي، بيد أن الولايات المتحدة سارعت إلى استمالة خلفه أنور السادات الذي أبرم معاهدة السلام مع إسرائيل في كمب ديفيد.

نظرياً، ترغب واشنطن في تعيين كيان قويّ مثل إيران وكيلاً لها في المنطقة يهتمّ بإدارة شؤونها تماماً كما كان الشاه قبل أن تصيبه أوهام العظمة. لكن بادئ ذي بدء، سوف تُضطرّ إلى التضحية بالدول ذات الغالبية السنّية. لطالما كان هدف أمريكا تقسيم العرب عبر احتواء السنّة في جيوب صغيرة يمكن التحكّم بها في مقابل تمكين الشيعة، وقد نجحت هذه السياسة في العراق.

فكِّروا في الأمر! في خضم كل هذا العنف المذهبي الذي يشهده العراق، الاحتمال قوي بأن تتّجه البلاد نحو الانقسام إلى دولتَين أو ثلاث دول. كانت الأيادي الغربية خلف تقسيم السودان إلى كيانَين متحاربين. والدور الذي لعبته في سقوط معمر القذافي دفع بالسكّان في شرق بنغازي، المدينة الثانية في ليبيا، إلى المطالبة بالحكم الذاتي.

واليمن يتفكّك أيضاً تحت وطأة الانقسامات في الجيش والمطالب الانفصالية في الجنوب والعنف الذي يمارسه الحوثيون في الشمال ناهيك عن وجود تنظيم “القاعدة” الذي يزيد الأوضاع سوءاً. وفي كل هذه الحالات، السنّة هم الخاسرون.
يبدو، ويا للغرابة، أن نظام الأسد العلوي الموالي لإيران حصل على إذن لمواصلة القتل ما دام مراقبو الأمم المتحدة يحصون الضحايا.

فضلاً عن ذلك، يبدو أن الولايات المتحدة وأوروبا توصّلتا إلى نوع من التسوية بشأن تخصيب إيران لليورانيوم خلال المباحثات التي أجرتها مجموعة الخمسة زائد واحد مؤخراً في اسطنبول، مما أثار تجهّم نتيناهو ورسم ابتسامة تفاؤل على وجه أمين عام الأمم المتحدة بان كي-مون، ومفوّضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون.

انسوا الخطاب المناهض لإيران والحاد اللهجة الذي تسمعونه من الرئيس أوباما، فالهدف منه هو استرضاء تل أبيب واللوبي الأمريكي الموالي لإسرائيل! لا شك في أن أوباما يعمل خلف الكواليس على تدعيم الانفراج الوليد في العلاقات مع إيران.

يجب ألا نقف مكتوفي الأيدي بانتظار مفاجأة بشعة. سوف تستمرّ القوى الغربية في المساومة مع البلدان القوية القادرة على حماية مصالحها والتعاون معها، في حين أن البلدان الضعيفة والتي لا تتحلّى بالنباهة الكافية للحفاظ على شرفها سوف تُسحَق تحت الأقدام.

فضلاً عن ذلك، يتوقّع الكاتب الإسرائيلي يارون فريدمان أن تتسبّب الوقائع السياسية الجديدة بعد الربيع العربي بصدامات مذهبية بين السنّة والشيعة. ويعتقد أن الخليج العربي سيكون ساحة النزاع الأساسية. عسى أن يكون مخطئاً، لكن يجب أن نبقى متيقّظين لمنع انفجار الأوضاع.

ليت دول مجلس التعاون الخليجي، حكومات وشعوباً، تتنبّه لهذه النزعات الجيوسياسية الجديدة قبل أن يُقتاد مواطنو دول الخليج إلى حظائر شبيهة بغزة، فنتمنّى عندئذٍ لو أننا نستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. يجب أن نحمي كرامتنا التي نستمدّها من سيادة بلداننا على أراضيها وحدودها.

وينبغي على دول مجلس التعاون الخليجي أن تضع المصالح الأنانية والخلافات الصغيرة جانباً، وتشكّل جبهة موحّدة لا تتزعزع. هذا هو الأمل الوحيد.

فهل من يصغي؟

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم