الخميس، 26 نوفمبر 2020

على مجلس التعاون الخليجي أن يردّ على «الحرب الشاملة ضد الإسلام» التي يشنّها البنتاغون

بقلم خلف أحمد الحبتور

Al Habtoor Group ©

كنت أعتقد أن إدارة أوباما تنتهج سياسة مدّ اليد إلى مسلمي العالم البالغ عددهم 1.6 مليار نسمة في مسعى يهدف إلى رأب الجسور التي دمّرتها حروب جورج دبليو بوش.

وكنت مسروراً بالجهود التي يبذلها الرئيس باراك أوباما لأنني أسعى، على غرار عدد كبير من المسلمين والعرب، إلى سد الهوّة بين الشرق والغرب، وقد عملت جاهدا على نطاق صغير من أجل لم شمل جميع ابناء النبي ابرهيم عليه السلام ليعيشوا معاً بسلام؛ ولا سيما من خلال قيامي بإنشاء مسجد ومركز الفاروق عمر بن الخطاب الذي يستقبل ويرحب بالزوّار من مختلف الأديان، وكذلك تمويل مركز خلف الحبتور للقيادة في كلية إيلينوي كولدج.

ومؤخراً، استضفت أحد طلاب الكلية في دبي بعد فوزه بالجائزة الثانية في مسابقة إنشائية يتنافس فيها المشاركون بطرح أفكار حول سبل بناء جسور التفاهم بين الشرق العربي و الغرب حيث أتولّى رعايتها شخصياً، وقد كتب بعد الزيارة أنه تخلّص من أحكامه المسبقة السلبية عن العرب ليحلّ مكانها الإعجاب الشديد.

يعتبر قادة دول مجلس التعاون الخليجي وشعوبها أن أمريكا دولة صديقة ذات مصالح تلتقي مع مصالحهم. ولذلك صُعِقت كثيراً عندما علمت أن قادة وضباطاً عسكريين أمريكيين يتابعون دورة تدربية لمدّة سنة كاملة في كلية القوات المشتركة في فرجينيا يتولّى تدريسه اللفتنت كولونيل ماثيو دولي ويروِّج "للحرب الشاملة على الإسلام".

هذا الخبر المشين كشفته وسائل الإعلام قبل بضعة أسابيع إنما من دون أن تفيه حقّه وهذا مستغرَب نظراً إلى أهمّيته. فقد أكّد لي أحد أصدقائي الأمريكيين أن "المحطات الإخبارية الأمريكية الأساسية بالكاد تطرّقت إلى الخبر"، وأبدى قلقه من أن يجد "هذا الجهل الفاضح للإسلام" طريقه إلى قاعات التدريس سواء كانت مدنية أم عسكرية. لم تخصّص له وسائل الإعلام الكثير من الوقت على الهواء، كما أنه لم يتصدّر العناوين في الصحف، خلافاً لحرق المصاحف في أفغانستان مثلاً، حتى أن معظم المسلمين لم ينتبه له. لا يسعني سوى التساؤل، هل تدّعي أمريكا أنها صديقتنا فيما لا تكفّ عن العمل ضدّنا؟

انطلق دولي في المقرّر الذي يقوم بتدريسه من أنه لا وجود "للإسلام المعتدل". وقال "لن نسمح بعد الآن بهذه الأيديولوجيا الهمجية. يجب أن يتغيّر الإسلام، وإلا سنعمل على تسهيل دماره الذاتي".

وشملت الحلول التي اقترحها شن هجمات نووية على مكّة المكرمة والمدينة المنوّرة من دون أي اعتبار لحياة المدنيين.

لقد تم الغاء الدورة المعلن عنها على موقع البنتاغون الإلكتروني، لكن للاسف احتفظ دولي بمنصبه. وعقد رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي مؤتمراً صحافياً انتقد فيه الدورة واصفاً إياها بأنها "مرفوضة" وليست على قدر المسؤولية من الناحية الأكاديمية.

لكن تبيّن لاحقاً أن دورة اخرى مماثلة تدرَّس في كلية عسكرية أخرى مع عرض صور "سلايد" مناهضة للإسلام بعد الموافقة عليها من مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي أيه) السابق، جيمس وولسي، وجنرالَين بثلاث نجوم.

فضلاً عن ذلك، اضطُرّ مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) إلى التدقيق في مواد مقرراته عندما تبيّن أن ضباط مكافحة الإرهاب يُدرَّسون بأن "المسلمين الأمريكيين هم على الأرجح متعاطفون مع الإرهابيين" وبأن تبرّعاتهم الخيرية هي بمثابة "آلية تمويلية للقتال". وأسوأ من ذلك، تشير مواد الـ"إف بي آي" إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلّم) بأنه "زعيم طائفة دينية".

وفي الإطار عينه، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن شرطة نيويورك تتسلّل إلى المساجد والمراكز الاجتماعية الإسلامية. فقد عُرِض على الشرطيين مادة وثائقية بعنوان "الجهاد الثالث" يزعم أن القيادة المسلمة في الولايات المتحدة تطمح إلى "التسلّل والسيطرة"، وشارك رئيس شرطة نيويورك في هذا العرض الوثائقي الذي حظي أيضاً بدعم عمدة مدينة نيويورك السابق رودولف جيولياني.

لقد اعتدنا في العالم العربي سماع المسؤولين الأمريكيين يقلّلون من شأن الجرائم التي يرتكبها الجنود الأمريكيون في العراق وأفغانستان وباكستان واصفين إياها بأنها "أخطاء" تتعارض مع السياسة الأمريكية الرسمية.

بالفعل، عندما اتّصلت ببعض أصدقائي الأمريكيين المطّلعين لسؤالهم عن رأيهم بشأن الدورات الدراسية المسيئة للإسلام، تشابهت إجاباتهم إلى حد كبير، فقد اعتبروا أن النزعة المناهضة للإسلام التي قد تكون موجودة لدى البنتاغون والأجهزة الاستخباراتية الأمريكية والشرطة يروِّج لها أشخاص لا يمثلون الاتجاه العام، وبالطبع فإنها لا تعكس وجهات نظر الحكومة الأمريكية. أنا واثق من أنهم صادقون في اعتقادهم هذا، فبما أنهم مواطنون أمريكيون يصعب عليهم أن يتقبّلوا الحقيقة المغايرة، لكن مع فائق احترامي لهم، لم أقتنع أبداً بكلامهم.

كيف يُعقَل أن الإدارة الأمريكية لم تسمح بتدريس تلك الدورات وقد تمّت الإشارة إليها على موقع البنتاغون الإلكتروني، ويجري تدريسها في الكليات العسكرية، كما وافق عليها جنرالات ومدير الـ"سي آي أيه"، وهناك مقرّرات ومواد تُــدَرس مشابهة لها إلى حد ما لدى الـ"إف بي آي" وشرطة نيويورك؟ القول بأن الحكومة الأمريكية لا تعرف شيئاً عن عقيدة الكراهية تلك تبدو أغرب قصّة خيالية أسمعها في حياتي.

لذلك من الضروري أن يبادر الرئيس أوباما إلى إطلاق تحقيق، والاعتذار الى المسلمين في كل مكان، وأن يشرح لحلفاء أمريكا المسلمين كيف استمرّت هذه الدعاية البغيضة والخطيرة من دون روادع لفترة طويلة جداً، والتي تهدف إلى بث الكراهية تجاه المسلمين في نفوس القادة العسكريين ونقلها بالتالي عبر الهرمية العسكرية.

نحن بحاجة الى أجوبة من البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس. فكل هذه الأمور التي كُشِفَت مؤخراً ربما تخفي وراءها الكثير وليست سوى غيض من فيض. فما هو مدى انتشار العدوى؟ هل يمكن لوم الجنود الذين يحرقون الكتب المقدّسة، أو يذلّون المعتقلين المسلمين، أو يتبولون على جثث المسلمين، إذا كان قادتهم ينادون باستخدام الأسلحة النووية لمحو المسلمين عن وجه الأرض؟

نقلت في أحد مقالاتي الصادرة مؤخراً بعنوان "كفانا الإعتماد على الآخرين ليحافظوا على أمننا!"، عن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون قولها لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي بأن التزام أمريكا بأمن "شعوب الخليج ودولها راسخ لا يتزعزع".
وقد دعت إلى تعزيز "أمننا المشترك، (أي الأمريكي الخليجي) مثل مساعدة جيوشنا على تحسين التعاون بينها... وتنسيق قوة الردع على الأزمات". لكن كيف عسانا ننسّق مع جيش يُعطى ضباطه تعليمات لشنّ حرب شاملة على المسلمين؟

أجدّد تأكيدي بأنه يتعيّن على دول مجلس التعاون الخليجي أن تعتمد فقط على الدفاع عن نفسها. كيف يُعقَل أن الورقة التي وضعها المحافظون الجدد بعنوان "مشروع لقرن أمريكي جديد"، والتي أصبح مؤلّفوها شخصيات قيادية في إدارة بوش، لم تثر الريبة حول الأهداف السياسية الحقيقية لواشنطن؟ هل يجب أن نتلقّى ضربة أقوى بعد على رأسنا كي نفهم الرسالة؟

نظراً إلى الاضطرابات التي تشهدها البلدان العربية التي تسعى على ما يبدو إلى تطبيق ديمقراطية على الطريقة الأمريكية، والتي كان لمنظمات أمريكية غير حكومية دور في تحريكها، فضلاً عن احتمال تقسيم العراق وليبيا كما قُسِّم السودان، والانشقاقات المدبَّرة على الأرجح بين السنّة والشيعة (والتي تلحق الضرر بالسنّة)، من الممكن أن تكون لدى الولايات المتحدة سياسة سرّية تهدف إلى تحريض العرب على تدمير بعضهم بعضاً في استمرار لسياسة "فرّق تسد" التي طبّقتها بريطانيا الإمبريالية، والتي نجحت في تفتيت سوريا والأردن وفلسطين.

إذا كانت هذه هي الحالة، فأنا أشكّ في أن نظام الأسد و"حزب الله" ومنظمة بدر العراقية وميليشيات الصدر وحتى حكومة المالكي الطائفية متورّطون جميعهم في الخطة الأمريكية الهادفة إلى الحد من أعداد المسلمين عبر قتل السنّة والتي انعكست فعليا بغزو افغانستان والعراق والتي ادت الى ما يصل الى مليون حالة وفاة. إذا لم تكن الولايات المتحدة توافق على أعمالهم، فلماذا لا تتحرّك إذاً لمنع المجازر بحق المدنيين في سوريا، وممارسة ضغوط على الجناح العسكري لـ"حزب الله" الذي تحوّل جيشاً خارجاً عن سلطة الدولة، كي يسلّم سلاحه؟ آمل حقاً بأن أكون مخطئا.

ينبغي على مجلس التعاون الخليجي أن يتوحّد ويتحوّل اتحاداً فدرالياً ويبني قدرات عسكرية ذاتية قوية ومستقلّة حفاظاً على دولنا وشعوبنا. لم يعد بإمكاننا الاتّكال على أصدقاء متقلّبين كي يحموا شعوبنا. لم يعد مسموحاً أن نغط في نوم عميق فيما يخطّط أعداؤنا لتدميرنا مدّعين صداقتنا. مصيرنا على المحك إذا لم يتعامل قادتنا مع "الحرب الشاملة على الإسلام" بالجدّية اللازمة.

ولمن يحاولون التعتيم على هذه الأخبار المقلقة، أحيلهم إلى ما قاله أبراهام لينكولن "يمكنك خداع كل الناس بعض الوقت، ويمكنك خداع بعض الناس كل الوقت، إنما لا يمكنك خداع كل الناس كل الوقت". أنا من جهتي أرفض أن أُخدَع بعد الآن.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم