السبت، 15 أغسطس 2020

الأمم المتحدة مجرد استعراض مكلف

بقلم خلف أحمد الحبتور

Shutterstock ©

يمكن القول أن الأمم المتحدة هي المنظمة الأكبر شأنا في العالم. لكن هذا على الورق فقط. تأسّست في العام 1945، وكانت في البداية تضم فقط 51 عضوا من الدول، وكانت غايتها الأساسية الحؤول دون وقوع حرب عالمية ثالثة، كما أن الأهداف المضمّنة في ميثاقها مثيرة للإعجاب. إن التأم شمل المجتمع الدولي تحت مظلّة الأمم المتحدة هو بهدف الحفاظ على الأمن والسلام ، وتعزيز الصداقة بين الدول على أساس حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية والقوانين الدولية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

كانت الفكرة من وراء إنشاء الأمم المتحدة تأمين منتدى للحوار الدبلوماسي والاجتماعي والاقتصادي، وتسوية النزاعات على أن يكون اللجوء إلى القوة الملاذ الأخير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة «تحديد وجود أيّ تهديد للسلام، أو خرق للسلام، أو عمل عدواني» والقيام بعمل عسكري «لإعادة إرساء الأمن والسلام الدوليين».

لا شك في أن هيئات الأمم المتحدة، مثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)، والمفوّضية العليا لشؤون اللاجئين، ومنظمة العمل الدولية، تقوم بعمل قيّم جداً ضمن حدود موازناتها، لكن لا مفرّ من الإقرار بأن الأمم المتحدة والتي تتألّف من 193 دولة عضواً، بشكل عام قد فشلت فشلاً ذريعاً. إنها لا تلبّي المتطلبات المنصوص عنها في شرعتها. المثال الذي لا يقبل النقاش عن عجز الأمم المتحدة عن فعل أي شيء آخر عدا السجال هو عدم فاعليّتها في وقف المجازر الجماعية التي يواصل النظام السوري ارتكابها. جلّ ما تجيده هو توثيق الجرائم، ووضع مسوّدات القرارات، وعقد المؤتمرات الصحافية، وهذا كلّه لا يُحدث أدنى فرق بالنسبة إلى السوريين، رجال ونساء وأطفالاً، الذين يتعرّضون للتعذيب والتشويه والقصف والتفجير في شكل شبه يومي.
أتابع باهتمام شديد اجتماعات مجلس الأمن، آملاً على الرغم من كل شيء أن يقوم أعضاؤه الخمسة الدائمون وأعضاؤه العشرة غير الدائمين، بتحرّك حاسم لوقف عملية القتل، لكن كل ما أراه هو المشاحنات والمهاترات والتعطيل. يُجمع الجزء الأكبر من العالم على وجوب اتّخاذ خطوات ملموسة، وبسرعة. ففي يوم الجمعة الماضي، أقرّت الجمعية العمومية التابعة للأمم المتحدة مشروع قرار أعدّته المملكة العربية السعودية «تشجب فشل مجلس الأمن في الاتفاق على تدابير تضمن إمتثال السلطات السورية بقراراته». لكن بما أن الجمعية العمومية لا تتمتّع بأي سلطة، فإن هذا القرار، شأنه شأن الكثير من القرارات الأخرى، سيوضَع على الرف ويدخل طي النسيان.

لقد نفض كوفي أنان، المبعوث الذي عيّنته الأمم المتحدة لتأدية دور الوسيط في سوريا، يدَيه من المسألة، وأعلن استقالته من مهمته قبل أن تنتهي في أواخر أغسطس. فقد أعلن أنان «في غياب جهود دولية جدّية وهادفة وموحّدة، بما في ذلك من القوى في المنطقة، يتعذّر علي وعلى أي كان إلزام الحكومة السورية بالدرجة الأولى وكذلك المعارضة اتّخاذ الخطوات الضرورية لإطلاق آلية سياسية... في وقت يحتاج فيه الشعب السوري إلى العمل الجاد، يستمرّ التراشق الكلامي وتوجيه أصابع الإتهام في مجلس الأمن».

ليست هذه المرّة الأولى التي تعجز فيها الأمم المتحدة عن القيام بمسؤولياتها. لقد تخلّت المنظمة عن الشعب الرواندي عندما كان أنان على رأسها. فقد اتّهم تقرير صدر عن لجنة تحقيق مستقلّة بقيادة رئيس الوزراء السويدي السابق إنغفار كارلسون، الأمم المتحدة بالفشل في وقف الإبادة الجماعية في رواندا التي أدّت إلى مصرع نحو 800000 شخص. وقبِل أنان الذي كان آنذاك أمين عام الأمم المتحدة، خلاصات التقرير مبدياً أسفه ومتعهّداً بمنع تكرّر مثل هذه الكارثة في المستقبل. لكن تبيّن أن تلك الوعود فارغة.

وقبلها اعترفت الأمم المتحدة أيضاً بإخفاقها في الاضطلاع بدورها في حفظ السلام عبر السماح للصرب في البوسنة بارتكاب مجازر منهجية ومنظّمة أودت بحياة آلاف الرجال والفتيان المسلمين في سريبرينيتسا في يوليو 1995، مع العلم بأنه كان يُفترَض أن تكون المدينة منطقة آمنة خاضعة لحماية القوات التابعة للأمم المتحدة. وقد أجرت المنظمة انتقاداً ذاتياً في تقرير صدر عنها ورد فيه «مأساة سريبرينيتسا سوف تلطّخ تاريخنا إلى الأبد». فحينها لم تنشر الأمم المتحدة عدداً كافياً من العناصر التابعين لها، ولو لم يتدخّل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكانت حصيلة الضحايا في أوساط مسلمي البوسنة أعلى بكثير.

لقي ما يزيد عن 20000 شخص حتفهم في سوريا. على غرار أبناء رواندا، يستصرخ الشعب السوري المجتمع الدولي لحمايته، لكنه لم يحصل حتى الآن سوى على المواساة. إنصافاً للحقيقة، لا أنان ولا خلفه بان كي-مون مسؤولان عن هذا الواقع. فأمين عام الأمم المتحدة، أياً يكن، لا يملك أي سلطة عملياً. واقع الحال هو أن هيكلية المنظمة التي تحصر عملية صنع القرارات فقط بمجلس الأمن إنما تجعل الأمم المتحدة مجرّد بيت من الرمال.

وما يثير السخرية أن يتمكّن الأعضاء الخمسة الدائمون - الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا والصين - من استخدام الفيتو لنقض القرارات التي يوافق عليها كل الأعضاء الآخرين. لقد استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ثلاث مرات لمنع اعتماد قرارات تدين نظام الأسد، وذلك بهدف الحفاظ على مصالحهما الاقتصادية والجيوسياسية. وقد تعرّضتا لانتقادات شديدة من واشنطن ولندن وباريس، لكن في واقع الأمر الولايات المتحدة نفسها لا تتردّد في استخدام الفيتو لمنع صدرو قرارات تدين إسرائيل أو تدعم المسعى الفلسطيني للحصول على اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطينية ذات عضوية كاملة في المنظمة الدولية. فضلاً عن ذلك، تهدّد الولايات المتحدة بقطع التمويل عن الأمم المتحدة في محاولة منها للضغط على الأعضاء الآخرين كي يتوقّفوا عن دعم المطلب الفلسطيني.
ما دامت البلدان تضع مصالحها القومية ومصالح حلفائها فوق المبادئ المنصوص عنها بوضوح في ميثاق الأمم المتحدة، فسوف تبقى هذه الأخيرة هيئة صورية يتعلق المحرومين والبائسين للآسف بآمالها الكاذبة. كانت قلّة تؤمن بمجلس الأمن قبل اندلاع الأزمة في سوريا، لكن بعدما شهد العالم على المجازر التي تُرتكَب بحق الأطفال منذ بداية الثورة في 15 مارس 2011 حتى يومنا هذا، ولم يحرّك هذا المجلس ساكناً، فُضِح أمره على الملأ وتبيّن أنه مجرد دعابة سمجة.

لم أتخيّل قط أنني سأتّفق يوماً في الرأي مع جون بولتون، ذلك المحافظ الجديد المتشدد الذي كان سابقاً سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، حيث قال في تصريح أثار الكثير من الجدل، إنه إذا فقدت الأمم المتحدة عشرة طوابق «فلن يُحدث ذلك أي فرق على الإطلاق». كان محقاً. لا بل أكثر من ذلك، يجب هدم المبنى الضخم بكامله وإنشاء متحف أو مركز تجاري مكانه. ويجب على الـ7750 موظّفاً والذين يعملون في سكرتارية الأمانة العامة للأمم المتحدة والـ8230 مديراً والذين يحصلون على رواتب مرتفعة، العودة إلى منازلهم. ومن الأجدى استخدام الموازنة السنوية للمنظمة التي تبلغ حالياً 5.15 مليارات دولار أميركي (2012-2013)، لتمويل قضايا أخرى مثل العمل على الحؤول دون وفاة الأطفال بسبب الجوع في المناطق التي تشهد مجاعات. تُرى ما هي المبالغ التي تُنفَق من تلك الموازنة على حفلات الكوكتيل والرحلات والنفقات الشخصية. يجب إجراء تحقيق في هذا الإطار والتدقيق جيداً في الحسابات. ويجب الكشف عن إخفاقات الأمم المتحدة وإنجازاتها من أجل تقويم فائدتها بطريقة واضحة ومقبولة.

لقد تحوّلت الأمم المتحدة إلى أداة في أيدي القوى الكبرى. أتأسّف على الورق الذي أُهدِر على كتابة ميثاقها. لقد فقدت مصداقيتها، ولذلك يجب استبدالها بمنظمة دولية يقع مقرّها في دولة محايدة مثل سويسرا، وتتمتّع فيها الدول الأعضاء بحقوق التصويت النسبي متكافئة مع أعداد سكّانها، من دون أن تتمكّن أي دولة من فرض إرادتها على الأعضاء الآخرين.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم