الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020

حان الوقت ليتخلّص اللبنانيون من أغلالهم

بقلم خلف أحمد الحبتور

Shutterstock ©

عندما بلغني نبأ مقتل رئيس فرع المعلومات في لبنان، وسام الحسن، وثمانية آخرين في انفجار سيارة مفخّخة في منطقة سكنية في بيروت صباح يوم الجمعة الماضي، شعرت حينها بالغضب والحزن لكنني في الوقت نفسه لم أُفاجأ. ينضم الحسن إلى قائمة الشخصيات اللبنانية البارزة التي تعرّضت للاغتيال، لأن أمراً ما قاله أو فعله لم يرق للقتلة المنحطّين. وقد تذكّرت بتأثّر شديد ذلك اليوم المريع، 14 فبراير 2005، عندما علمت أن صديقي العزيز، رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، لقي مصيراً مماثلاً، وحينها توجّهت فوراً إلى بيروت لتقديم التعازي إلى أرملته وأولاده. كان الحسن رئيساً عن البروتوكول في فريق الحريري، وشخصية بارزة في تيار 14 آذار (مارس).

حتّام سينتظر اللبنانيون ليرصّوا صفوفهم ويضعوا حداً لهذا الكابوس الخبيث الذي بدأ يتحوّل إلى صورة نمطية لبلدهم المتوسّطي الجميل، حتى في أذهان من يحبّون لبنان من أمثالي؟ عندما نفكّر في لبنان اليوم، لم نعد نتوقّف عند المناظر الخلاّبة التي وهبه إياها الله أو الأوقات الرائعة التي أمضيناها في ذلك البلد عندما كان وجهتنا الأولى لقضاء العطلة، فأول ما يخطر في بالنا الآن هو القتل والفوضى. هل حياة اللبنانيين رخيصة إلى هذه الدرجة بحيث أصبح القتل وسيلة مبتذلة لتصفية الحسابات السياسية؟

من المفترَض أن لبنان بلد ديمقراطي حيث له برلماناً يتألّف من سياسيين متمرسين، باهري الأداء ويحرصون دائماً على تقديم عرضاً ممتعاً. لكن كل خطبهم ووعودهم الإصلاحية التي يصيغونها بإتقان شديد تبقى مجرد كلام، ولا يقرنون القول بالفعل. وفي كل مرة يسقط فيها شخص ما في أوج عطائه لمحاولته إحداث فرق على الساحة اللبنانية، يطلقون من جديد النداءات للدعوة إلى "الوحدة الوطنية". لسوء الحظ، لا وجود لكلمة وحدة في الذاكرة الجماعية اللبنانية. لقد أُنعِم على اللبنانيين بالعيش في بلد صغير فائق الجمال والروعة. إنهم ديناميكون ومثقّفون جداً. لكن بدلاً من الإفادة من هذه المزايا التي كان عدد كبير من أبناء الجنسيات الأخرى ليستميتوا من أجلها، يصرّون على السير في طريق يقود إلى تدمير الذات، ويسعون خلف الثأر وتبادل الانتقادات اللاذعة، فلا يحصدون سوى العنف والحرب الأهلية والتدخّلات الخارجية التي تعود عليهم بالضرر. وكأن مشاكلهم لا تكفيهم، فها هم يتقاتلون في ما بينهم من أجل سوريا!

تتحمّل الحكومة والسياسيون المسؤولية الأكبر في الوضع المأسوي الذي آلت إليه الأمور. إنهم يسيئون إلى الشعب الذي يفرض عليهم الواجب حمايته. عليهم أن يكفّوا عن التراشق الكلامي في ما بينهم حفاظاً على أمن مواطنيهم وسلامتهم. قد يقول البعض إن الكلام سهل لكن التنفيذ صعب. لكن الواقع هو أن جزءاً كبيراً من الانقسامات وحمامات الدماء في لبنان نابع من هشاشة البلاد إزاء الموأمرات التأثيرات الخارجية. ويجب أن يتغيّر هذا الوضع. فمما لا شك فيه أن اللبنانيين، مسيحيين كانوا أم سنّة أم شيعة أم دروزاً، يرفضون أن تُستخدَم أرضهم ساحة يخوض فيها الآخرون معاركهم، وينبذون القادة الذين ليسوا سوى مجرّد دمى تحرّكها قوى خارجية.

أحاول جاهداً أن أفهم لماذا يبدو على اللبنانيين وكأنهم لا يتعلّمون أبداً من أخطاء الماضي. من الواضح أنهم لم يتعلّموا شيئاً من التاريخ. ليست مصادفة قاسية من مصادفات القدر أن لبنان تعرّض للاجتياح والقصف والركود الاقتصادي مرّات كثيرة في التاريخ الحديث، وانقسم إلى كانتونات مذهبية.

بادئ ذي بدء، تحتاج منظومة الحكم إلى إصلاح فوري وشامل. يجب أن يكفّ المواطنون اللبنانيون عن تصنيف أنفسهم بحسب معتقداتهم الدينية، ويصبحوا شعباً واحداً. فالمعتقد الديني هو شأن شخصي لا علاقة للآخرين به، ولا يجوز أن يقف حائلاً دون الولاء لوطن واحد يلتقي حوله جميع اللبنانيين سواء كانوا يقصدون الكنيسة أم المسجد للصلاة. واقع الحال هو أن الطائفية تشكّل عائقاً كبيراً أمام تحقيق الوحدة بين الناس، لأنها تجعل الناخبين يفكّرون من منظار سنّي أم شيعي أم مسيحي في حين أنه يجب أن يكونوا أحراراً لاختيار المرشّحين الأنسب بغض النظر عن الانتماء الديني. تدرك صفوة العقول في لبنان هذا الأمر، وتدور نقاشات منذ عقود للتخلّص من هذه الصيغة التي عفا عليها الزمن والتي ولدت في صيف 1943 عندما نال لبنان استقلاله من فرنسا. لكن لم يتحقّق أي شيء حتى الآن خوفاً من إغضاب الشخصيات والمجموعات النافذة التي يمكن أن تتكبّد خسائر كبيرة في حال تغيّرت المنظومة القائمة.

ثانياً، ليس مقبولاً أن يُستخدَم بلد أصغر من سويسرا إذ تبلغ مساحته نحو 4000 ميل مربع فقط ولا يتجاوز عدد سكّانه الخمسة ملايين نسمة، للقيام بدور لاعباً إقليمياً بالوكالة عن بلدان أخرى أكبر حجماً بكثير. بل يجدر به إعلان الحياد. على اللبنانيين أن يركّزوا على تحقيق الازدهار، وليس على العداوات والأحقاد.

ثالثاً، يجب تطهير لبنان من كل الأسلحة والمواد المتفجّرة ما عدا تلك التي بحوزة الجيش اللبناني والقوى الأمنية التابعة للدولة. ويجب حظر الميليشيات والمجموعات المسلّحة كما هو الحال في كل الدول التي تصنّف نفسها في خانة البلدان الديمقراطية. ويجب تعزيز الجيش وتزويده بالإمكانات اللازمة لحماية الأراضي والحدود اللبنانية، بدلاً من أن يبقى ضعيفاً يفتقر إلى التدريب الجيد والتسليح الكافي.

من الواضح أن الحكومة اللبنانية تفتقر إلى الشجاعة والتحفيز للقيام بما هو مطلوب من أجل جعل لبنان بلداً آمناً وتوحيد مواطنيه. ولذلك تقع المهمّة على عاتق اللبنانيين أنفسهم. لقد كانوا أوّل من أطلق "الربيع العربي" في العام 2005 عندما ساهمت تظاهراتهم في طرد المحتل السوري، مبشِّرةً بحقبة جديدة من الاستقلال. والآن عليهم أن يمسكوا بزمام الأمور من جديد وألا يهابوا المواجهة من أجل إنقاذ بلادهم من السياسيين ومن يدّعون أنهم "زعماء دينيون"، ومن الحرّاس الوهميين الذين يتظاهرون بأنهم "أصدقاء" لبنان. وحدها العاصفة الشعبية كفيلة بإسقاط الزمرة الحالية التي تقود البلاد نحو الظلام. يجب أن يرحل مدّعو العفّة ويحلّ مكانهم قائد قوي يتحلّى بالحكمة الكافية لرؤية الضوء، وبالشجاعة الكافية لبلوغه حتى ولو كان عليه أن يدوس أقداماً كثيرة في طريقه إليه.

أخيراً اود ان اناشد الشعب اللبناني، لا تكونوا عبيداً لإرادة السياسيين الذين تحرّكهم مصالحهم الشخصية وأجندات معيّنة، والزعماء الدينيين من كافة الطوائف، هؤلاء يضلّلونكم ويتلاعبون بكم منذ وقت طويل. لقد حان الوقت لتتحكّموا بمصيركم وتقرّروا مستقبلكم بأنفسكم.

عندما يقرّر الشعب التخلّص من الأغلال التي تكبّله، يستطيع أن يتنفّس هواء الحرّية العليل، وعندئذٍ فقط صدقوني، سوف يُزدهر لبنان ويـتألّق نجمه عالياً بشكل غير مسبوق.

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم