السبت، 05 ديسمبر 2020

مصر تحتاج إلى "حب حازم" لرفض العروض الإيرانية

بقلم خلف أحمد الحبتور

AP Images ©

كان الهدف الظاهري من زيارة المبعوث الإيراني إلى العاصمة المصرية، والتي تزامنت مع إطلاق أول رحلة مباشرة من #القاهرة إلى #طهران منذ 34 عاما، تعميق روابط بلاده مع مصر ومناقشة الحلول للأزمة السورية. لكنها لم تكن مدفوعة بحسن النيّة، بل استُخدِمَت بصورة معيبة منبرا لتوجيه انتقادات قاسية إلى القادة العرب لأنهم منحوا مقعد سوريا في الجامعة العربية إلى ممثّل عن الائتلاف المعارض.

فقد هاجم نائب وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، قرار الجامعة العربية بحضور أمينها العام نبيل العربي، واتّهم الدول الأعضاء بخدمة أهداف الحكومات الغربية في #الشرق_الأوسط، قائلا "كان من الأجدى بالقادة العرب أن يركّزوا على الدفاع عن الشعوب المقموعة".

أنّى لإيران أن توجّه مثل هذه الانتقادات في حين أن الإيرانيين هم من أكثر الشعوب المسحوقة على وجه الأرض! أنا أيضا أتمنّى أن يدافع رؤساء الدول العربية عن المقموعين، ولا سيما عرب الأحواز والسنّة الإيرانيين الذين يُضطهَدون ويُعامَلون كمواطنين من الدرجة الثانية منذ عقود. معاملة إيران للعرب والسنّة لديها مشينة ومخزية، و"قلقها’’ على السوريين هو ليس أكثر من خداع مأساوي.

أكثر ما يهمّ #طهران في الشأن السوري هو الإبقاء على قبضتها على ذلك البلد العربي الذي يرتدي أهمية جيوستراتيجية، إذ يشكّل ممرا لتمويل #التنظيمات_الإرهابية في البلدان المجاورة وتسليحها. إلا أننا ما زلنا ننتظر ردّ العربي على ذلك الكلام اللاذع الذي تفوّه به المسؤول الإيراني على أرض عربية - وأعتقد أننا سننتظر طويلا. لو كان يتمتّع بذرّة من الجرأة والكرامة، لردّ على الفور على عبد اللهيان طالباً منه بعبارات جازمة عدم التدخّل في الشؤون العربية. كان عليه الاقتداء بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، الذي طلب من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد خلال زيارته لمصر، عدم التدخّل في شؤون البحرين أو محاولة التأثير في الغالبية السنّية في مصر بهدف نشر مبدأ التشيع. أسلوب التهجّم الإيراني ليس بالأمر الجديد علينا، لكن ما يجعل الدم يغلي في عروقي هو أن هذا الانتهاك لسيادتنا حصل في مصر عندما كانت تُعتبَر "قلب العالم العربي’’ عندما كان عبد الناصر والسادات ومبارك يتولّون سدّة الرئاسة.

ومضى عبد اللهيان ليعلن أمام الصحافيين أنه أجرى "نقاشات بنّاءة" مع العربي الذي "تبادل معه الآراء لا سيما حول البحرين وسوريا وفلسطين". كيف يجرؤ هذا المسؤول الإيراني على وضع الشأن البحريني والقضية الفلسطينية في السلّة نفسها مع المأساة التي تحصل في سوريا! المشكلة التي تعاني منها البحرين سببها الطابور الخامس الإيراني الذي يحرّض الخونة في الجزيرة على التمرّد على حكومة المملكة. وليس لأحد ممّن يملك معلومات، ولو ضئيلة جدا، عن الواقع الحقيقي للأمور، أن يصنّف الوضع بطريقة مختلفة. وإمعانا في الوقاحة، قال إن "إيران توافق على الجهود التي تبذلها الجامعة العربية في ما يتعلّق بالأزمة السورية’’. لم أكن أعلم أننا بحاجة إلى موافقة إيران على قراراتنا الداخلية.

لقد بلغ حجم التدخّل الإيراني في الشؤون العربية مستوى لا يُحتمَل. لماذا أفسح العربي ووزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو في المجال أمام #طهران للتعبير عن عدم رضاها عن مواقف الجامعة العربية؟ أين أصوات القادة العرب والخليجيين، لا سيما أولئك الذين تشكّل العدوانية الإيرانية تهديداً مباشرا لهم؟ هل يرضون بأن يكونوا مجرّد متفرّجين يسمحون لإيران بالتلاعب بمصير منطقتنا؟
بعد هذا التوبيخ الذي ينم عن ازدراء شديد وقلّة احترام من جانب مسؤول إيراني كبير، وبعد تقصير مصر عن الرد بالطريقة المناسبة، يجب أن نصحو من سباتنا العميق. حان الوقت لنفكّر في بعض الأسئلة الصعبة عن ولاءات الحكومة المصرية، والتي لم تكن واردة قبل بضع سنوات. عندما وطأت قدما الرئيس محمد مرسي، عن "الإخوان المسلمين’’، أرض قصر الاتحادية العام الماضي وباشر تأدية مهامه، كان موقفي "فلننتظر ونرَ". فكّرت في نفسي "فلنعطِه فرصة’’ انطلاقاً من خطاباته وتصريحاته التي تعهّد فيها بأن مصر ستبقى قلب العالم العربي والساهِرة على المصالح العربية.

قال كلاماً جيداً في البداية، وقد وعد بأن يكون رئيساً لكل المصريين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو السياسية. لكنه لم يخذل الشعب المصري وحسب، آخذاً البلاد نحو الإفلاس والصراعات الداخلية، بل فرش أيضاً السجاد الأحمر للأئمة والوزراء الإيرانيين، و"قوة القدس’’ السرّية التابعة للحرس الثوري الإيراني، والتي أعترض أشدّ الاعتراض على تسميتها. لا يحق لإيران أن تطلق اسم القدس التي هي من أبرز المعالم المقدّسة في الإسلام، حيث يقع الحرم الشريف، على تنظيم إرهابي يرتكب حالياً مجازر بحق السوريين. ولست أفهم لماذا لم تعترض منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية والقادة المسلمون على التسمية.

ينبغي على قادة دول مجلس التعاون الخليجي والقلّة المتبقّية من القادة العرب الحقيقيين اتّخاذ موقف جازم ضد مصر التي تغرق أمام أنظارنا في ظل نظام "الإخوان المسلمين’’. ثمة حاجة ملحّة إلى التدخّل البنّاء قبل فوات الأوان. اليوم، يتجوّل ممثّلو #طهران في #القاهرة ويعقدون المؤتمرات الصحافية، وتصل رحلات كثيرة من إيران وعلى متنها أعداد كبيرة من "السيّاح’’ المتلهّفين لزيارة المواقع السياحية المصرية. تشير التقديرات الإيرانية إلى أن مليونَي "سائح’’ إيراني سيتوجّهون إلى مصر سنوياً. وغدا، سنرى الأعلام الشيعية ترفرف فوق المساجد السنّية في البلاد، وصور الخميني على لوحات كبيرة الحجم كما في لبنان.

أتعتقدون أنني أبالغ؟
في الواقع، يبدي وزير السياحة المصري قلقا واضحا من التداعيات المحتملة لتدفّق الزوّار الإيرانيين. ويسعى في هذا الإطار إلى فرض قيود بما يؤدّي إلى السماح فقط بـ"الرحلات الترفيهية"، بحيث يتمكّن السيّاح الإيرانيون من الدخول إلى المواقع السياحية والمنتجعات في حين يُمنَعون من دخول المساجد. إلا أن القائم بالأعمال الإيراني في #القاهرة اعترض على الأمر قائلاً "يحق للسياح الإيرانيين زيارة أي مكان يريدونه في مصر...".

لقد غضب بعض المصريين كثيراً من العلاقات الحميمة المستجدّة بين إيران ومصر، والتي تضمنت اتفاقاً سياحياً، إلى درجة أنهم ينظّمون احتجاجات ضد الأئمة الشيعة الإيرانيين. قال الداعية المصري صفوت حجازي لقناة "العربية’’ إن السيّاح الإيرانيين لن يأتوا ببساطة للاستمتاع بما تقدّمه البلاد، بل سينشطون في العمل على نشر عقيدة التشيع. ولاحظ عن حق أن إيران "تثير المشاكل أينما وُجِدت’’ كما في العراق وسوريا.

ختاما، ثمة مسألتان ملحّتان يجب معالجتهما:
على مجلس التعاون الخليجي أن يُعلم الحكومة المصرية بموقفه. ويجب التوقف عن تدليل #القاهرة بمنحها مساعدات/قروض مالية بالمليارات، ما دامت تصطف إلى جانب إيران التي أثبتت، من خلال ممارساتها في العراق وسوريا ولبنان والبحرين، أنها عدوّة للدول العربية. يجب سحب التعهّدات بتقديم مساعدات مالية لمصر، لأنه من شأن "الإخوان المسلمين’’ الذين يبدو أنهم أصبحوا عملاء إيران الجدد في ذلك البلد، أن يستعملوها ضدّنا، فهم يبذلون قصارى جهدهم للتسلّل إلى دول الخليج وتسميمها. ويجب إدانة أي دولة حتى ولو كانت عضو في مجلس التعاون الخليجي ترفض التوقّف عن دعم الإخوان وهو موضوع لا يحتمل المجاملة والصراحة هي الطريق الآمن. علينا أن نضرب بيد من حديد لدفع #القاهرة في الاتّجاه الصحيح؛ على المسؤولين المصريين أن يختاروا، فإما إيران وإما نحن.

وعلى جميع القادة العرب، لا سيما في مصر والعراق ولبنان، أن يمنعوا الإيرانيين من استخدام أراضينا وكأنهّا ملك لهم، وإلا فليُسمّوا أنفسهم فرساً ولينتهِ الأمر. إذا كان الإيرانيون يريدون إطلاق تصريحات مهينة عن الشؤون التي تعني العرب دون سواهم، يمكنهم أن يقولوا ما يحلو لهم ويتفوّهوا بما يشاؤون من الإساءات على أرضهم. أما الأراضي العربية فغالية جداً ولا يجب أن تكون مباحة للإيرانيين كي يصبّوا جام غضبهم وكلامهم المقذع والمهين لكرامتنا، ويؤجّجوا الاعتراض والتململ، وينشروا الأيديولوجيا الشيعية

قال العاهل الأردني عبدالله الثاني "العالم العربي يخطّ مستقبلاً جديداً؛ والقلم في أيدينا نحن’’. هذا صحيح، لكن إذا لم نتحلَّ بالشجاعة والاقتناع لنخطّ مستقبلاً آمناً، يبقى القلم مجرّد أداة مجوَّفة مليئة بالحبر!

تعليق
الرجاء المحافظة على تعليقاتك ضمن قواعد الموقع. يرجي العلم انه يتم حذف أي تعليق يحتوي على أي روابط كدعاية لمواقع آخرى. لن يتم عرض البريد الإلكتروني ولكنه مطلوب لتأكيد مشاركتم.
المزيد من المقالات بقلم